المذهب العقدي الإباضي في الفكر الاستشراقي
الجزء ١ · صفحة ٢٩٨الفصل الخامس: دراسات المستشرقين الإنكليز
ب الوقوف:
يتمثل الوقوف في إمساك الحكم في انتظار الفحص والتَّقصي، وقد يكون دائما أو مؤقتا، ولابد أن يكون على بينة، أو الولاية أو البراءة، فلا منزلة بين المنزلتين، فالعبد إمَّا مسلم وإمَّا، منافق فإن لم تكن فإن الوقوف مخرج في انتظار الدليل والبينة.
وقد شهد التاريخ صعوبة تطبيق البراءة، لذلك كان الوقوف مخرجا لكثير من القضايا، ففي مسألة حكم مسلم في الولاية قتل آخر في الولاية، كان فيه الاختلاف في الأحكام الثلاثة بين الولاية والبراءة والوقوف، حيث يرى شبيب عطية وموسى بن علي ولايتهما حتى يُعرف الباغي، أمَّا موسى بن علي فرأى البراءة من القاتل حتى يثبت أنه قتله في الحق، بينما يذهب أبو عبد الله إلى الوقوف عن كليهما حتى تظهر الحقيقة. ويعتبر ويلكِنْسُونُ أنَّ الوقوف هو حالة من عدم الجزم ينبغي استعماله، بحذر، كما يعتبر أن مصطلح الوقف
بن
عوّض مصطلح الإرجاء.
وقد استعمله واصل بن عطاء لأسباب شبيهة للمرجئة في قضية الإمساك عن الحكم في الفتنة الأولى، حيث إنَّ الإباضية حسموا فيها دون تردُّد، (1) لأنَّ الوقوف في هذه الحالة مرادف لبدعة الشَّاةِ التي حاربها الإباضية بقوة وبسببها طرد هارون بن اليمان.
وقد تبيَّن على مر التاريخ أنَّ استعمال الوقوف سمح للإباضيَّة لفتح المجال للحلول العملية والتسامح ورأب
الصدع داخل الجماعة.
ج بين الإرجاء والوقوف
لقد برزت مدرسة الإرجاء من خلال محاولة الصلح بين الأمويين والشيعة المعتدلة من خلال إرجاء الماضي وعدم الحكم عليه وإرجاء أمره إلى الله.
وحدة
الأمة،
ومن خلال سيرة بن ذكوان يظهر أنَّ المرجئة الأوائل لم يكونوا في حقيقتهم مسالمين، بل كان همهم الحفاظ على هدف وهو حميد من وجهة نظر الخوارج. يرى الخوارج غير الأزارقة أنَّ عثمان وعلي أذنبا ولكن مآلهم يوم القيامة عند الله، بينما يرى المرجئة في شأنهم المغفرة، بينما يذهب الإباضيَّة إلى أن النَّار للمسيئين والجنة للمحسنين في الولاية والبراءة.
ويبدو أنَّ الإباضية على حسب ويلكنسون يرون أنَّ المرجئة وقعوا في مهادنة النظام الفاسد الذي يمثله
(1) جُون كَرَافَن ولكِنْسُون، الإبَاضِيَّة أصولها وتطورها المبكر في عُمان، ص 374.
298