المذهب العقدي الإباضي في الفكر الاستشراقي
الجزء ١ · صفحة ٣١٤الفصل الثاني: مسائل الإلهيات
في الجوهر، هل يراد به الجسم، م (1) أم أنَّه مصطلح فلسفي، الذي هو نفسه الذي خاض فيه المسلمون الفلاسفة،
الأوائل.
فلابد للإشارة إلى أنَّ المصطلح الفلسفي للجوهر (2) غير المصطلح الكلاسيكي الذي وظفه تيبْغُورين والذي يراد به الجسم، حيثُ ينتقل من حالة إلى حالة كطبيعة جسم الإنسان الذي ينتقل من الطفولة إلى المراهقة، ومن القوَّة إلى الوَهَنِ، وهذا مما لا يجوز في الذات الإلاهية، وعزا تيبْغُورين هذا التناقض عند الأشاعرة إلى المراوغة، فهم أحيانا يتفقون مع الدهريين في التجسيم. (3)
وفي ردود تيبغُورين على الأشَاعِرَة في مسألة تقسيم الصفات والذَّات يعتبر كُوبَرلي أن تيبغُورين في نقده لم يدرس بعمق الطرح الأَشْعَرِي بأن الصفات هي معاني مضافة إلى الذات الإلاهية. (4) وقد ردّ الوَارَجُلاني على الأَشْعَرِي في قوله هي معاني بخلافه، بأنَّ الله عالم بعلم أي باستعانة، وبعده أضاف السالمي بقوله إذا كان كذلك فإنَّه يوجب أن يكون الله قبل العلم بدون علم.
إذ لم تكن فيه لئلا يلزم *
**********
حلوله وليس منه نجزم
ولا عليه فيكون أفقرا *** * * * ************** لغيره وذاك دأب الفقراء (5)
فبالنسبة لتيبغُورين الأسماء الإلاهيَّة تعكس فعلا إلاهياً، فهي بمثابة أسماء الأفعال، فصفة الخلق يراد بها الخالق، ثمَّ الرّزق يراد بها الرزاق، وهذا ينسحب على جميع الصفات، وهي نفسها الذات الإلاهية، وهو المتفق الإلاهية، وهو المتفق عند الإِبَاضِيَّة، وقد وافقهم في هذا الوَارَجُلاني
يقول تيبْغُورين: " لأنّ الشيء الموجود الموصوف هو الشيء المتسمى لا يسبق صفاته وأسماءه، وأن أسماء المتسمى من صفاته تشتق وتوجد، لأنك إذا قلت له علم، أثبته عالما، وإذا وصفته بالقدرة سميته قادرا، وكل اسم
(1)
يعرف تيبْغُورين الجسم بأنَّه: " المتعدّ المؤلّف الأجزاء الذي لا ينفكّ من ست جهات: أمام وخلف، ويمين وشمال، وتحت وفوق، وملاصق (الشيء)، ومباين للآخر، ولا بد له من مكان يحويه وقرار يستقر فيه". تبغورين بن داوود بن عيسى الملشوطي، كتاب أصول الدين، ص 53.
هو
(2) الجوهر في الفلسفة: يعرّف على أنَّه الثَّابت في الأشياء المتغيرة، يبقى هو هو رغم ما قد يطرأ عليه من متغيرات، ويطلق الجوهر على الموجود القائم بنفسه، حادثا كان أو قديما، ويقابله العرض، ويقول أرسطو: الجوهر هو الموجود لا في موضوع، بينما العرض. موضوع في موجود. ويعرفه سبينوزا بقوله: الجوهر هو القائم بذاته، والمدرك لذاته، بمعنى أنَّ وجود الجوهر لا يحتاج إلى قيامه بغيره، كما تصوره لا يحتاج إلى حمله على غيره، معجم المصطلحات، ص 139. ونلاحظ أن تعريف سبينوزا أقرب إلى تعريف المتكلمين.
أنَّ
(4) المصدر السابق، ص.80
(5) أبو محمد عبد
الله
بن
(3) Pierre Cuperly، Introduction à l'étude de l'ibadisme et de sa théologie، P 79.
حميد السالمي، بهجة الأنوار (شرح أنوار العقول في التوحيد)، ص 80.
314