المذهب العقدي الإباضي في الفكر الاستشراقي مصطفى بن محمد بن داود ابن ادريسو

المذهب العقدي الإباضي في الفكر الاستشراقي

الجزء ١ · صفحة ٣١٦

الفصل الثاني: مسائل الإلهيات

أما خلافهم مع

الله الأشاعرة فمنطلقه تنزيه من الشَّبه، والتَّجسيم، لذلك فهم يُؤوّلون الآيات التي

يدلُّ ظاهرها

على التشبيه، بينما الأشاعرة والحنابلة يرون أخذها على ظاهرها تحت مسمى معقول الظاهر. (1) ويرفض الإباضية أيضا ما ذهب إليه المعتزلة من الصلاح والأصلح على النقيض من العدل والفضل، حَيْثُ إِنَّ

الله لا يدين لأحد لأنَّ له الحكم المطلق وبالتالي لا يُظلم عنده أحدٌ. ويختلف الإباضية عن المعتزلة أيضا في تحديد معيار الخير والشر والحسن والقبح، حيثُ يراه المعتزلة عقلياً بشرياً،

بينما الإبَاضِيَّة يعرّفونه من خلال الإرادة الإلاهية المطلقة.

المبحث الثاني: المحكم والمتشابه

قال الله تعالى: {هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ (آل

عمران، 7)

اتَّبع الإباضية منهج تأويل المتشابه بما يتماشى مع تنزيه الله سبحانه وتعالى، وبما يقصي ما يُفهم منه التشبيه أو

التجسيم.

فهم يصرفون الآيات التي يوهم ظاهرها التشبيه أو التجسيم، إلى مفهوم يصون تنزيه الله سبحانه وتعالى، ففي قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ (الفجر، (22)، فكلمة "جاء" لا تليق بمقام الله التي تفيد التجسيم من انتقال وحركة، لذلك يؤولونها مجازا أي على غير ظاهرها على مقتضى السّياق، وتكون جاء هنا بمعنى اقترب من خلقه أكثر، والاقتراب معنوي، أيضا أي وجاء أمر ربك ولو حمل القرآن على ظاهره لتناقض وتكاذب وقال النَّاس للميت لقي ربّه، وصار إلى ربّه ولم يريدوا أنّ ربّهم في القبر". (2)

وقد ورد في القرآن الكريم أسماء للجوارح، والتي لا يجوز نسبتها لله تعالى إلا عن طريق تأويلها مجازا، وهذا بعد الأخذ بما تقتضيه أحكام اللُّغة العربيَّة، وما يقتضيه سياق الكلمة حسبما وردت في الآية القرآنية، وإلا لكان تجسيما

ظاهرا وتشبيها للخلق.

كاليد التي تفسر بمعنى القوَّة والغلبة، قال تعالى: يَدُ الله فَوْقَ أَيْدِيهِمْ} (الفتح (10) أي قوة الله فوق قوتهم، ويمكن أن يُقاس ما سبق على العين والوجه.

مجازياً.

يذهب كل من مُورِينُو وَكُوبَرْلي إلى أنَّ الإِبَاضِيَّة أجمعت على تأويل ما يوحي بالتجسيم في القرآن واعتباره

وقد ورد هذا فيما أسلفنا ذكره في تعريف مسألة الأسماء والصفات، فإنَّ من أصول الإباضية تنزيه الله تعالى

(1) Pierre Cuperly، Introduction à l'étude de l'ibadisme et de sa théologie، P 211.

64

(2) تبغورين بن داوود بن عيسى الملشوطي، كتاب أصول الدين، ص

316