المذهب العقدي الإباضي في الفكر الاستشراقي
الجزء ١ · صفحة ٣١٧الفصل الثاني: مسائل الإلهيات
لذلك فهم ينفون كون الله جسما أو جوهرا، ويستنكرون على كل من يحدّده بمكان، كما يؤوّلون جميع الآيات التي
يفهم منها ذلك مثل: الوجه، اليد، العرش.
واعتبر تيبْغُورين أنَّ جميع الصفات التي وصف الله بها نفسه هي من قبيل المدح، هي في نفس الوقت نفي لصفات النقص والدّم، ولا علاقة لها بصفات الأجسام، وأعطى في ذلك أمثلة، فالله
ويُنزّه عن النقص، فهو القادر، قال تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٍ} (السُّورَى، (11).
(1)
ينتفي منه الموت إذن هو حي،
وفي نفس الوقت اتهم الذين يصفون الله بالمعنى الظاهر لهذه الصفات أهم يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض "أخذوا الآيات المتشابهات، وأحادث مرويَّة عن النَّبي عليه السَّلام، فأغفلوا فيها النظر، وحملوه على غير تأويله وتركوا قوله عز وجل: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءُ السُّورَى (11) {هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا (مريم، 65) ". (2)
كما بين أنَّ الله يوصف بـ "شيء" ولا يمكن وصفه بالجسمانية، لأنَّ من صفات الجسم العجز والنقص والحدوث، "لأنك إذا قلت ليس بشيء أبطلت، وإذا قلت ليس بجسم لم تنف إلاّ جسما مخصوصا، وصنفا مشهوراً عاجزاً محتاجاً. (3)
والله سبحانه تعالى يخاطبنا بما نفهم من اللُّغة العربيَّة، ولا يوظف كلمات لا نفهمها لوصف نفسه، وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ} (ابراهيم (4 وإن اتفقت الألفاظ لم تتفق المعاني" (4) وقد أعترض على الأشَاعِرَة في هذا الباب بشدَّة في مسألة إمكانية رؤية الله يوم القيامة، حَيْثُ اعتقدوا أنه يرى بحاسة سادسة، أو بالقلب، كما سيتقدم ذلك في مسألة الرؤية، وعلى حسب الإِبَاضِيَّة فإنَّ هذا القول ينتهي التجسيم.
إلى
ويعتبر كوبرلي أنَّ انتهاج الإِبَاضِيَّة لتأويل المجاز لم يكن انسياقا فلسفيّاً، ظهر مع الحركات الفلسفية، بل كان اتجاها فكرياً برز منذ بواكير نشأة المذهب، فهم يأخذون بعلم الدَّلالة ولا يقفون عند المعنى الظاهر للنص.
ومن هنا كان اعتراض الوَارَجْلاني واطفيش لبعض تفسيرات ابن عباس التي توحي بالتجسيم.
(5)
(1) تبغورين بن داوود بن عيسى الملشوطي، كتاب أصول الدين، ص 54.
(2) المصدر السابق، ص 60.
(3) المصدر السابق، ص 55.
(4) المصدر السابق، ص 56.
(5)
يبدو أنَّ كُوبَرْلي يشير إلى حديث الشَّاب الأمرد الذي رُوي عن ابن عباس، حيث ذكر الذهبي في ميزان الاعتدال " عن قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس (مرفوعاً): "رأيت ربي جَعْداً أمرد عليه حلّة خضرا"، ميزان الاعتدال في نقد الرجال، أبو عبد الله محمد عثمان الذهبي (748 هـ)، تحقيق علي محمد البجاوي، دار المعرفة، بيروت، لبنان، ص 593/ 1.
أحمد بن
بن
317