المذهب العقدي الإباضي في الفكر الاستشراقي مصطفى بن محمد بن داود ابن ادريسو

المذهب العقدي الإباضي في الفكر الاستشراقي

الجزء ١ · صفحة ٣٢

الفصل التمهيدي:

اجتمع الثمانية على تولية عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم لما يمتاز به من غزارة علم وورع وتقوى، ولما امتلك من خبرة في سنوات حكم أبيه، لكن كونه ابنا للإمام المتوفى جعل شبهة التوريث تتبادر إلى الاذهان، لذلك من الكتاب من يعتبر أن هذا تكريس لبداية الأسرة الحاكمة، وهي مخالفة لمبادئ العقيدة الاباضية في تولية الحاكم، ويشبه في هذا نظام الأمويين والعباسيين في المشرق، (1) مما أسفر عن شرخ في المجتمع، فكان من بين الاباضية من لم يقبل بهذه التَّولية، فأنكروا هذه البيعة، ولم يعترفوا ببيعته، ووضعوا لها شرطا أن لا يقضى أمرا إلا بعد استشارة جماعة معلومة من المسلمين، (2) وأطلق على هؤلاء المعارضين "النُّكار ". (3)

لم يعترف التكار بقيادة ابن فندين بعبد الوَهَّاب إماما، ولم يرضخوا لإمامته وحكمه، فأعلنوا التمرد، فحاربهم عبد الوهاب الذي لم يعترف بشروطهم، وطردهم من، تاهرت وتمركزوا في الأساس في جربة ثم بعد ذلك في الجريد وفي جبل نفوسة.

أعطى الإمام عبد الوهاب الحريَّة للمذاهب بأن تعمل في نطاق الدولة الرستميَّة، والمناطق التي خضعت للسلطة الرستمية وأعلنت لها الولاء مناطق واسعة جدا، مما يدلُّ على اتساع رقعة الدولة الرستمية، حيث أنها تمتد الشمال من حتى البحر المتوسط، وتتضمَّن جانبا من منطقة الأوراس والواحات الجزائرية من واد ريغ وورقلة، في تونس، جربة،،والجريد، ونفزاوة وقابس وقفصة وجبل، دمر كل هذه المناطق تعترف بالسُّلطة الرُّستميَّة وتعلن لها الولاء، وفي ليبيا،

ثم بتيهرت عن أبيه عبد الرحمن وغيره من حملة العلم. عاصر الربيع بن حبيب إمام الإباضية، عالم متضلّع من أكبر علماء زمانه، تخرج على يديه خلق كثير، منهم ابنه أفلح، فضلاً عن كثير من علماء نفوسة، حيث قضى بجبل نفوسة سبعة أعوام يلقي دروس الوعظ على العامة، ولقد ترك عبد الوهاب كتابًا وصفه البرادي بأنه ضخم وهو سفر تام، ألقه عبد الوَهَّاب جوابًا لأهل نفوسة في مسائل ونوازل استفتوه فيها، ونسبة في اسم «الوهبية» هي للإمام عبد الوَهَّاب، رغم أَنَّهَا نسبة عَلَى غير قياس، وتوفي سنة 208 هـ/823 م، تاركًا الدولة قوية مهيبة السُّلطان، معجم أعلام الإباضية، ص 591/ 3 - 595، رقم التَّرْجَمَة: 609

(1) بحاز ابراهيم بن بكير، الدولة الرُّسْتُمِيَّة، ص 117.

(2) أحمد

بن

سعيد بن عبد الواحد الشماخي، كتاب السير، ص

131/ 1

(3) التكار يضم) النُّون، وتسمَّى النُّكارية أيضا. جماعة انشقت عن الإباضيَّة في المغرب الإسلامي زمن الإمامة الرُّسْتُمِيَّة، وسميت كذلك لإنكارها إمامة عبد الوهاب بن عبد الرَّحْمن بن رستم سنة 171 هـ / 787 م. وعرفت باليزيدية نسبة إلى زعيمها أبي قدامة يزيد بن فندين اليفرني. كما أطلق عليها كذلك الشغبية والنجوية والناكثة، ويرى بعض المحققين أنَّ النُّكار فرقة انشقت عن الإباضية، ولها من الخصائص والمميزات ما يجعلها فرقة مستقلة تماما عن الإباضيَّة؛ إذ إن لها عقائدها واجتهاداتها الخاصة؛ فالصورة السياسية لها تتمثل في مخالفة الإمام عبد الوَهَّاب ومن جاء بعده، ويتجلى مظهرها العسكري في الجيش المستقل الذي أسسه يزيد بن فندين ثمَّ طوّره أبو يزيد مخلد بن كيداد اليفرني وحارب به دولة الفاطميين في المغرب، أما الجانب الفقهي فيظهر في آراء شعيب بن المعروف وصاحبيه أبي المؤرج السدوسي وعبد الله بن عبد العزيز الذين لم يرض عنهم الإمام الربيع بن حبيب وشيخه الإمام أبو عبيدة مسلم من ويتبلور الفكر العقدي لها في الالتزام بما ورد في كتب عبد الله بن يزيد الفزاري وشروحها، أما الصورة الغائبة عن هذه الفرقة فهي الجانب الحديثي لقول عبد الله بن يزيد الفزاري: "إنما غلبنا أصحاب الربيع بالآثار". معجم مصطلحات الإباضية، ص 2/ 942.

قبله،

32