المذهب العقدي الإباضي في الفكر الاستشراقي
الجزء ١ · صفحة ٣٢٦الفصل الثاني: مسائل الإلهيات لم يأخذوا بالدليل العقلي حَيْثُ إِنَّ دراسة كُوبَرْلي اعتمدت نموذجين من المدرسة الإِبَاضِيَّة وهما الجنَّاوني وتيبْغُورين. فالجنَّاوني من علماء القرن 11/ 5، بيَّن من خلاله عدم الإمكانية من جانب العقل، وأطلق اسم الشرك على من اعتقد هذا الاتجاه بعد الاستدلال العقلى، وفي هذا يُلاحظ كُوبَرْلي أنَّ الجنَّاوتي لا يشجب ولا يشبع كثيرا على القائلين برؤية الله يوم القيامة مباشرة بأبصارهم، لأنَّ هذا من النفاق وليس الشرك، بينما تيبْغُورين انتهج القساوة مع مخالفيه ورمى بالشرك من يؤمن برؤية الله يوم القيامة (1) كما ذكرنا ذلك سابقا.
وذكر كُوبَرْلِي أَنَّ تيبْغُورين شنَّع على القائلين من الأشاعرة بوجود الحاسة السادسة، واعتبر هذا تأثراً بالمعتزلي حفص الفرد، (2) أو الذين انتهجوا نهجهم مثل الأَشْعَرِي نفسه، وهو ما ردَّ عليه بقوّة تيبْغُورِين أَنَّ الله يخاطبنا بما عهدناه في الدُّنيا من حواس، فإذا كانت حاسة أخرى في الآخرة فالله لم يخبرنا بها.
وهذا شيء غريب إذ لم يذكر تيبْغُورين الحاسة السَّادِسة أو الرَّد عليها في كتابه أصول الدين، ولعله اشتباه من الباحث مع مؤلّف إباضي آخر، والذي قد يكون صاحب كتاب الموجز.
حَيْثُ إِنَّ أبا عمَّار ردَّ على القول بالحاسة السَّادِسة، فعلى حسبه إذا كان بالإمكان وجود حاسة أخرى لذكرها الله بمسمى آخر، وإذا افترضنا وجود أشياء غير التي ذكرها الله تعالى لكان الله غير ذاته وصفاته، فلم يعد بالإله الذي عرفناه وبما وصف به نفسه.
منها هي
أما في ردّ المعتزلة على هذه المسألة لغيرهم فقد اعتبرها كُوبَرْلي لم تكن في مستوى الردود التي ظهر بها أبي عمار. وقد ردَّ تِيبْغُورين على الأَشْعَرِي في مفهوم النظر بالقرآن نفسه، ووظف حديثا نبوياً في الموضوع، وبيَّن أنَّ المراد الاستدلال على وجود القيامة دون شكّ أو ريب. يوم
الله
ويذكر كُوبَرْلِي أَنَّ تِيبْغُورِين تحدَّث عن حاسة العلم التي يمكن أن تحمل مفهوم الرؤية، التي لا يقصد بها الحس، إنما يقصد بها العلم، أي انكشاف معلومات وإدراك أكبر عن الله تعالى، ولعل قصده هنا ما ذهب إليه المعتزلة أنها رؤية قلبية، أي هل يمكن رؤية الله من خلال القلب؟ واستدل في ذلك بسورة الفيل ألم تر كيف فعل ربك … (3) إنَّ أهمية الرُّؤية البصريَّة لله تعدُّ مركزية في استشهادات تيبْغُورين واستدلالاته، حَيْثُ إِنَّه يرفضها رفضا مطلقا، ويدحض بقوّة أدلة أولائك الذين يتعلّقون بهذا الاحتمال، وفي هذا فإنَّه يركز على عدم المعقولية والمنطقية في القول
برؤية الله.
تيبغورين أصول الدين ص 149 (نسخة الكترونية)
(2) حفص الفرد: يعتبر من المعتزلة، وهو أوّل من تكلم عن احتمال وجود الحاسة السادسة في الإنسان يوم القيامة ليتمكن من رؤية الباري عزّ وجل، لكن مجموع المعتزلة ينكرون هذا الاتجاه، وقد أخذ منه الأشعري هذه الفكرة.
خلالها
(3) Pierre Cuperly، Introduction à l'étude de l'ibadisme et de sa théologie، P 90.
326