المذهب العقدي الإباضي في الفكر الاستشراقي
الجزء ١ · صفحة ٣٢٧الفصل الثاني: مسائل الإلهيات
وقد استند تيبغُورين في نفي الرؤية إلى المنطق والعقل، حَيْثُ اعتبر أنَّه إذا استلزم رؤية الله يوم القيامة، هذا يمكننا من رؤيته في الدُّنيا، وهذا يؤول إلى تحديد الله في جهة من الجهات وهو الشّرك بعينه، وإذا كان كذلك فإنَّه يحتمل أمرين:
1 / إما أن نحدد الله في مكان.
2 أو أن يكون في كل مكان مرة واحدة.
فإذا أخذنا بالأولى فقد حدَّدنا الله وهو الشّرك، وأمَّا إذا أخذنا بالثَّانية فهو انحراف عن الحق.
(1)
ويخلص كُوبَرْلي أنَّه من خلال هذا التحليل فإنه يتبيَّن أن فكر تيبغُورين ما هو إلا استمرار لسلفه وبالخصوص الجناوني في بسط الأدِلَّة العَقْلِيَّة والنَقلِيَّة في نفي رؤية الله تعالى يوم القيامة، وهي لا تختلف عن مثيلاتها لما عند المعتزلة، مما يعطي انطباعا أنه استشهد بحججهم. ويتهم تيبْغُورين الأشَاعِرَة أنهم وافقوا الدهريين في التَّجسيم، وأنهم يتخفَّون تحت مسمى البلكفة، وقد كتب الشاعر أبو مسلم البهلاني العُماني (1237 - 1338 هـ) في قصيدة طمس الأبصار عن رؤية ذات الجبار:
أيقول ربك لن تراني فارتدع *** وتقول سوف أراك خلف البلكفه.
وبعد تتبع كُوبَرْلي لآراء العلماء الإباضيين الآخرين ومقارنتها بما هو عند المعتزلة، يصل إلى نتائج مهمة جدا، أنَّ الإِبَاضِيَّة رغم توافقهم مع المعتزلة في النّهايات، إلا أنهم لم يكونوا متفقين معهم في المنطلق، لقد كان سندهم القرآن والنُّصوص، وكان المعتزلة سندهم المنطق والعقل الذي قد لا يوصل إلى نتيجة كبيرة خاصة في موضوع يعتبر من
وهي
الغيبيات، ورغم أنَّ الإباضيَّة استعملوا المنطق العقلي إلا أنَّ استدلالاتهم وحججهم تختلف عما استعمله المعتزلة. ويعتبر كُوبَرلي أنَّ العَالِمَ الذي برز في قضيَّة الرُّؤية والذي كانت له ردود قوَّية تعطي أصالة وبعدا وتميزا للمذهب الإباضي هو الشيخ اطفيش حَيْثُ وصفه أنَّه: " ظهر أنَّه مفكر عميق لا يقارن بغيره". (2)
وقد أشار كوبرلي إلى مسألة مهمَّة جدا تتعلق بحُرِّيَّة التَّفكير داخل المدرسة الإباضِيَّة، فعلى حسبه أنَّ الإِبَاضِيَّة لم يُجرموا ولم يرموا بالشرك القائلين برؤية الله يوم القيامة رغم ما ينضوي فيها من شرك وتجسيم، إنما اعتبروا الذي يؤمن بالرؤية كافر كفر نعمة، لأنه أخطأ في التأويل. (3)
(1) المصدر السابق، ص.91
(2) المصدر السابق، ص.256
(3) Pierre Cuperly، Introduction à l'étude de l'ibadisme et de sa théologie، P 256.
327