المذهب العقدي الإباضي في الفكر الاستشراقي
الجزء ١ · صفحة ٣٢٩الفصل الرابع: مسائل السياسة والمجتمع:
الفكري لكل فرقة دون امتلاكها ومعرفة استعمالها بدقة". (1)
ومن خلال هذا نتبيَّن أنه لا يمكن لأي باحث في الفرق الإسلاميَّة أن يلج باب مذهب من المذاهب دون أن
يمتلك مفاهيم تلك المصطلحات للفرقة التي يريد دراسة آرائها، فهي مفاتيح ذلك المذهب، وأي باحث يريد أن يدرس فرقة بآراء ومفاهيم فرقة أخرى فقد جنى عليها وعلى البحث الموضوعي، ذلك أنه سينتهي به المجال حتما إلى أحكام لم
تقل بها هذه الفرقة، أو إلى آراء بعيدة عنها.
المبحث الأوَّل: الأسماء والأحكام:
المطلب الأول: مفهوم الإيمان
ذهب فريق إلى القول إنَّ الإيمان هو المعرفة بالقلب والإقرار باللسان، فإذا عرف الإنسان ربَّه وأقر ذلك بلسانه فهو مؤمن كامل الإيمان، وهذا قول أبي حنيفة النعمان وجماعة من الفقهاء.
وذهب فريق آخر إلى أنَّه إقرار باللسان فقط، وهو مذهب محمد بن كرام السَّجستاني وأتباعه وكذا المرجئة (2) الذين لا يعتبرون أفعال الجوارح إيمانا، ولا يعتبرون النفاق في الأفعال وقالوا إنما هو في الضمير.
وفريق ثالث يقول إنَّ الإيمان تصديق بالقلب وإقرار باللسان وعمل بالجوارح، وأنَّ الفرائض والنوافل داخلة في مسمى الإيمان، وهو جميع ما أمر الله به من قول واعتقاد وفعل، وهو مذهب الإباضية والمعتزلة.
يقول أبو نصر فتح بن نوح:
ومن ظن بالإيمان ينجيه
راجيا
ولم يوف بالأعمال خاب بذا الظَّن (3)
واعتبر الوَارَجُلاني أنَّ المؤمن أُطلق في القرآن على وجهين: الأَوَّل على من ادَّعى الإيمان وانتحله، والثاني على التحقيق بالقول والفعل وله الجزاء في الآخرة. (4)
وذهبرُ وبيرتو رُوبِينَاتُشِي أَنَّ الإِبَاضِيَّة يشاركون كلا من الصفرية والقَدَرِيَّة والسنة والشيعة في مسألة الإقرار والمعرفة، ولكن يختلفون مع كل واحدة من هذه الفرق في قضيَّة العمل ودخوله في مسمى الإيمان (5)
فرحات الجعبيري، البعد الحضاري للعقيدة عند الإبَاضِيَّة، ص 489/ 2.
(2) فسر محقق كتاب الوضع الشيخ أبو إسحاق إبراهيم اطفيَّش الإرجاء بمعنى رجاء الجنَّة بغير عمل، وهذا خلاف الرَّأي المشهور، وهو إرجاء العمل أي تأخيره، وعدم اعتبار دخوله في مسمى الإيمان، وذهب أبو عثمان إلى القول بأنَّ من زعم أنَّ الدِّين داخل في التوحيد، وليس التوحيد داخل في الدين فهو من المرجئة. أبو زكرياء يحي بن الخير الجنَّاوني، كتاب الوضع (مختصر في الأصول والفقه)، ص خليفة الشوفي أبو عمرو (ق 6 هـ / 12 م)، السُّؤالات، و 62.
عثمان
بن
113
(3) عبد العزيز الثَّميني (ت: 1223 هـ)، النُّور (شرح القصيدة النُّونية للشيخ أبي نصر فتح بن نوح الملوشائي)، ص 203. (4) أبو يعقوب يوسف ابراهيم الوارجلاني، الدليل والبرهان، ص (5) روبيرتو روبيناتشي، الإقرار بالإيمان (دراسة مقارنة في عقيدة الجنَّاوني)، ص 21.
15
329