المذهب العقدي الإباضي في الفكر الاستشراقي
الجزء ١ · صفحة ٣٣٠الفصل الرابع: مسائل السياسة والمجتمع:
فالإِبَاضِيَّة والصُّفريَّة والزَّيديَّة والشَّيعة يعتبرون الذي لا يأتي بالأعمال خارج عن الملة الإسلامية، والسُّنة يعتبرونه
مذنبا أو مخطئا ويبقى مسلما.
والإِبَاضِيَّة يعتبرون المؤمن العاصي الذي اقترف الكبائر من دون توبة ينتفي منه الإسلام ويبقى موحداً ولا يخرجونه من الملة الإسلاميَّة، وانطلاقا من هذا الجانب فإنَّ الإِبَاضِيَّة تختلف عن الفرق الأخرى في قضيَّة مصطلح
الكفر.
قال الله تعالى {وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْقِ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (3) (سورة العصر).
فانطلاقا من هذه السُّورة من القرآن الكريم حدَّد الإِبَاضِيَّة مفهوم الإيمان أنَّه تصديق بالقلب وعمل بالجوارح والأركان، ثم أعقبها بعد ذلك أبو سهل يحي بالإقرار باللسان، وهذه الإضافة التي وردت في عقيدة أبي سهل يعتبرها كُوبَرلي ما هو إلا تأثر بالأشَاعِرَة، حَيْثُ إِنَّ هذه الاضافة لم يكن لها وجود من قبل في تعريف الإباضيَّة للإيمان. (1) وبالتالي أصبح تعريف الإيمان عند الإباضيَّة معروفا بهذه الثلاثيةً تصديق بالقلب إقرار باللسان عمل بالأركان، أي (تصديق، إقرار، عمل).
فقد قرن الله الإيمان بالعمل في هذه السُّورة، وفي سور عديدة من القرآن، فلا يكون إيمانا كاملا إلا إذا أُتبع بالعمل الصالح، واجتناب المنهيات، فما هو دور الإيمان إذا كان يفتقد الالتزام بأوامر الله والإتيان بنواهيه، لأنَّ هذا سيكون مناقضة الفعل الظاهر للإيمان الباطن، فلابد من تلازمهما.
ومن هذا الجانب فإنَّ محبوب بن الرّحيل وتبعه في ذلك الجنَّاوني يعتبران أنَّ الإيمان هي الطاعة، أي طاعة المسلم لله في أوامره ونواهيه وزاد عليها الجيطَالي بلزوم الإخلاص والنّية لله تعالى، لأنه قد يكون الأخذ والترك لغير الله. (2) وبيَّن كُوبَرْلي أنَّ الإِبَاضِيَّة يرون فيما سبق جميعا، أنَّ الإيمان يبقى مستحيلا إذا لم يشمله توفيق الله وسداده. (3) لذلك يرى شفارتز أنَّ هذا مفهوم الإيمان قول وعمل قد رافق الإِبَاضِيَّة منذ نشأتهم، ولم يكن فيه تغيير أو تأثر بمدارس أخرى. (4)
بينما يذهب بِيَارُ كُوبَرْلي، إلى القول بأنَّ الواقع السّياسي والمحيط الاجتماعي هو الذي أثار أسئلة تتعلق بعلاقة المؤمن بعمله، وذلك خصوصا عند اقترافه للكبائر من أعمال القتل وغيرها "إنَّ الإشكالية التي أثارت إشكالا واسعا
(1) Pierre Cuperly، Introduction à l'étude de l'ibadisme et de sa théologie، P 116.
(2) أبو طاهر إسماعيل بن موسى الجيطالي، قواعد الإسلام، ص 6.
(3) Pierre Cuperly، Introduction à l'étude de l'ibadisme et de sa théologie، P 174. (4)Werner Schwartz، Les débuts de l'ibadisme en Afrique du Nord، P 50. 330