المذهب العقدي الإباضي في الفكر الاستشراقي
الجزء ١ · صفحة ٣٣١الفصل الرابع: مسائل السياسة والمجتمع:
في بداية القرن الهجري الأوَّل هى بدون جدال حالة المؤمن حين اقترافه لكبيرة". (1)
ثم تبعه التنظير المعرفي الذي بقي في مستواه التطبيقي، وهي محاولة معرفة طبيعة المؤمن الذي اقترف كبيرة القتل، سواء تعلق الأمر بمعارك من أمثال معركة الجمل، أو معركة صفَّين أو النهروان وما أعقبه من نتائج كالسؤال عن حال معاوية، وأتباعه والذين ساهموا في مكيدة التحكيم من عمرو بن العاص وأبي موسى الأَشْعَرِي، أو ما أتى به الأزارقة من أعمال تنكيل واستعراض في القتل للمسلمين.
وهل هؤلاء يُسمون مسلمون، وإذا كانوا كذلك فما هو الفرق بينهم وبين المسلم الذي لم يقترف كبيرة، هل هم متساوون، أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ} (سورة
ص، الآية 38
تذهب المصادر الإِبَاضِيَّة إلى القول إنَّ الإيمان في الاصطلاح الديني "اعتقاد بالجنان، وإقرار باللسان وعمل بالأركان، (2) قد تختلف هذه العبارات في كتب الإباضِيَّة من مؤلّف إلى آخر، لكن الإجماع الإباضي قائم على ثلاثة أركان اعتقاد وإقرار وعمل، فلابدَّ للعمل أن يصدّق الإيمان، ولا يمكن أن يتنافيا أو يتعاكسا.
وبالتالي فإن كوبرلي يعتقد أنَّ المحكمة يرون إلى الذين قاتلوا المسلمين في معركة صفين، وقتلوا المؤمنين في معركة النهروان قد اقترفوا كبيرة من الكبائر، واقترفوا إثما عظيما، ولا يمكن أن يحافظوا على مسمَّى الإيمان بفعلهم هذا، لأنَّه يتناقض مع الإيمان، وبالتالي هم كفار بأعمالهم. (3)
نفس الرأي بِالنِّسْبَة لشفَارَتِزُّ حَيْثُ يرى أنَّ المؤمن الحقيقي بِالنِّسْبَة للإِبَاضِيَّة هو الذي يقر ويلتزم بأوامر الله ولا يستطيع ترك أمر أو الإتيان بنهي، والذين يقرُّون بالإسلام، ولكن يأتون خلافه فهم منافقون بِالنِّسْبَة للإِبَاضِيَّة، واقتراف الكبائر يعني انتفاء الإيمان، فهو مؤمن قبل المعصيَّة، كافر بعدها، ولو تظاهر بالإيمان، وزاد أيضا أنَّ المصر (4) على الصغائر كحال صاحب الكبائر (5)
ويذهب مورينو إلى القول إنَّ الأعمال الصَّالحة عند الإِبَاضِيَّة جزء لا يتجزأ من الاعتقاد السليم، ومن عصى من المؤمنين فهو يخرج من صفّ المؤمنين، وهذا خلاف السنة والجماعة الذين يثبتون لهم الإيمان، بينما المعتزلة يضعونهم
(2) فرحات الجعبيري، البعد الحضاري للعقيدة عند الإباضيَّة، ص
(1) Pierre Cuperly، Introduction à l'étude de l'ibadisme et de sa théologie،P 18.
495/2
(3)Pierre Cuperly، Introduction à l'étude de l'ibadisme et de sa théologie،P 18.
(4) يذهب أبو عبد الله محمد بن عمر بن أبي ستة في حاشيته على قواعد الإسلام أنَّ "الإصرار هو الإقامة على الذنب واعتقاد العودة إليه، أو قد يكون بالامتناع عن التوبة". أبو طاهر اسماعيل الجيطالي (750 هـ)، قواعد الإسلام، ص 132/ 1.
(5) Werner Schwartz، Les débuts de l'ibadisme en Afrique du Nord، p 50.
331