المذهب العقدي الإباضي في الفكر الاستشراقي
الجزء ١ · صفحة ٣٣٦الفصل الرابع: مسائل السياسة والمجتمع:
أَمَّا فَانْ أَسْ فيرى أنَّ الشرك لا يتعلَّق فقط بالمسائل الباطنيَّة الاعتقاديَّة فقد يتعداه إلى الجانب العملي، لذلك فيعتبر الشرك هو ردُّ أمر الله، وقد يكون صاحبه مبتدعا، أو محدثا في دين الله ما ليس منه.
ومن هذا الباب فإنَّ الإِبَاضِيَّة وظفوا كلمة كفر النّعمة لرفع الاشتباه بين الكفر المتعلّق بالجحود والكفر العملي. وذهب مُورِينُو أَنَّ المشرك كفره في فكره بينما المؤمن كفره في أفعاله، (1) وهذه نقطة أساسية في المذهب الإباضي، وهم لا يعتبرون أهل القبلة مشركين كما ذهب إلى ذلك الأزراقة، وهي نقطة خلاف هامة بين الإِبَاضِيَّة والخوارج، والتي من أجلها أعلن عبد الله بن إباض منذ البداية وفي فترة مبكرة براءته من الأزارقة، واستنكر عليهم فكرة الهجرة من بلاد المسلمين.
لذلك يرى كُوبَرْلي أنَّ الإِبَاضِيَّة لا يوجبون الخروج على الإمام غير العادل ولا يقولون بالهجرة من بلاد الكفر أو من بلاد الظُّلم (2) فهم يدعون إلى التعايش السلمي مع جميع فئات المسلمين، رغم ما مر في تاريخهم من الإقصاء واستعمال العنف ضدهم، وما نالهم من التهميش والتشويه من الآخرين سواء كانت دولا أو حركات، كما هو حال الدولة الأموية والفاطميين، (3) إلا أنهم مع ذلك تبنوا مبدأ السَّلام، وذلك بانتهاج مبدأ التقية حال استفحال الظلم
والجور.
وينقل كُوبَرْلي عن الجيطالي تقسيما آخر للشرك، فهو يقسمه إلى شرك أكبر وشرك أصغر، فالشرك الأكبر هو مساواة الله بعباده سواء في الذات أو الصفات، وكذا الجحود والتجسيم، أمَّا الأصغر فينقسم إلى ثلاثة أقسام: شرك إكراه، وشرك إنكار، وشرك من عدم الثقة بالله (4)
المطلب الثالث: المنزلة بين المنزلتين:
وهي منزلة النفاق بين الإيمان والشرك، قال تعالى: ﴿لِيُعَذِّبَ الله الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ الله عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُومِنَاتِ وَكَانَ الله غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ (الأحزاب،73)، والمقصود هنا بالنفاق
هود بن محكم هذه الأحكام في معرض تفسيره للآية 44 من سورة المائدة وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} حيث بيَّن أنواع الكفر فقال: "كفر أهل الكتاب في ذلك كفر جحود، وكفر أهل الإقرار بالله والنبيء كفر نفاق، وهو ترك شكر النعمة، وهو كفر دون كفر، وظلم دون ظلم، وفسق دون فسق" هود بن محكّم الهواري (ق 3 هـ)، تفسير كتاب الله العزيز، ص 474/ 1. (1) ماريو مارتينو مُورِينُو، ملاحظات حول العقيدة الإباضية، ص 9.
(2) Pierre Cuperly، Introduction à l'étude de l'ibadisme et de sa théologie، P 176.
(3) زهير تغلات، الفكر السياسي الإباضي (من خلال مؤلفات: جابر بن زيد، سالم بن ذكوان الهلالي، والبرادي، والشماخي)، ص
264
أبو طاهر إسماعيل بن موسى الجيطالي 126 Pierre Cuperly، Introduction à l'étude de l'ibadisme et de sa théologie(4)
336
قواعد الإسلام، ص 39،