المذهب العقدي الإباضي في الفكر الاستشراقي
الجزء ١ · صفحة ٣٣٨الفصل الرابع: مسائل السياسة والمجتمع:
إلا أنَّ عبد الجبار المعتزلي له رأي آخر وهو جواز إطلاق الإيمان لمرتكب الكبيرة بشكل مقيد، وهو على ما يبدو نفس وجهة نظر الإِبَاضِيَّة وهي بقاء التَّوحِيد وانتفاء الإسلام: "ونحن إن منعنا من إطلاق هذا الاسم (اسم الإيمان) على صاحب الكبيرة فلا نمنع من إطلاقه عليه مقيداً، فيجوز وصفه بأنه مؤمن بالله ورسوله". (1) المطلب الخامس: الأحكام المترتبة على الأسماء:
تمهيد:
ينطلق ويلكنسون من نظريَّة أنَّ أحكام الإِبَاضِيَّة تجاه المذاهب الأخرى منبنيَّة إنطلاقا من الواقع الذي يعيشونه، فهم لا يبنون نظريات قد لا تجد لها مكانا في الواقع.
فانطلاقا من واقع التقاء المذاهب في البصرة رأى الإِبَاضِيَّة لزوم التَّعايش بينهم، لذلك فقد حاربوا بشدة فكرة الهجرة التي كان ينادي بها الأزارقة، لاعتبار أنَّ الإباضية يرون باقي المسلمين إخوانا لهم أو كما يقول جوزيف فَإِنْ أَسْ إنَّهم يطلقون على المخالفين لهم اسما مهذبا كاسم " الإخوة في العقيدة" أو "أهل الصلاة" أو "أهل القبلة". (2) ويقرّر هنا بكل وضوح تباينهم مع الأزارقة الذين يُقصون الآخرين، ورغم ذلك فإنَّ هؤلاء يطلق عليهم الإِبَاضِيَّة
لقب الموحدين لأنهم لم ينكروا وجود الله.
ويؤكد ويلكنسون على النَّظرة المحوريَّة الإِبَاضِيَّة في علاقتها مع المسلمين، بالخصوص، وهي الشعي دوما للحفاظ على وحدة المسلمين، وحصر الخلاف في الفكر والفهم لكي لا يتعدى إلى الفعل والنزاع والقتال. (3) وبالتالي فإنَّ إطلاق الأحكام على المخالفين هو من باب تحديد العلاقة معهم، وضبط كيفية التعامل بينهم،
لذلك فإنَّ أحكامهم تنقسم إلى جزئين
أولا: بالنسبة للمنافقين
المنافقون بِالنِّسْبَة للإِبَاضِيَّة هم كفَّار النّعم سواء كانوا من الإِبَاضِيَّة أو من المخالفين، فإِنَّ الإِبَاضِيَّة ذهبوا أنَّه لا تحل دماؤهم ولا أموالهم باستثناء سلاحهم، وأضاف تَادُوز ليفتَسْكي أنَّ المقصود بالسلاح هو ما يُستعمل في الحرب، ولا يأخذون السّلاح الشّخصي الذي يستعمل للدفاع به عن النفس.
وإذا وقعت حرب أو نزاع بين الإِبَاضِيَّة وغيرهم من أهل القبلة فإنَّهم لا يُجوّزون سبي نسائهم أو قتلهم بغير حق،
كما يمكن للإبَاضِيَّة أن يتزوجوا من غيرهم ويتوارثوا.
ثانيا: بالنسبة للمشركين:
(1) عبد الجبار المعتزلي، الأصول الخمسة، ص 341.
جوزيف فان آس علم الكلام والمجتمع في القرنين الثَّاني والثالث للهجرة، تاريخ الفكر الديني في صدر الإسلام، ص 346/ 2.
(3) جُون كَرَافَن ولكِنْسُون، الإبَاضِيَّة أصولها وتطورها المبكر في عُمان، ص 303.
338