المذهب العقدي الإباضي في الفكر الاستشراقي مصطفى بن محمد بن داود ابن ادريسو

المذهب العقدي الإباضي في الفكر الاستشراقي

الجزء ١ · صفحة ٣٤١

الفصل الرابع: مسائل السياسة والمجتمع:

بداياته.

وقد أجاب على هذا الإشكال كُوبَرْلي أنَّ عقيدة القَدَرِيَّة لا تمت إلى الإِبَاضِيَّة بصلة، فقد كان موقفهم الصَّامت أو الداعم بحذر للقَدَرِيَّة إنّما هو ضدَّ الأمويين، الذين استغلُّوا عقيدة الجبر ونسبوا الأعمال القبيحة الله، حَيْثُ

إنَّه كان واضحا تعامل جابر وأبي عبيدة مع

السلطة رغم معارضتهما إيَّاها.))

(1)

ونفس الأمر في البداية كان موقف حاجب الطائي مبهما حَيْثُ استحسن القول إنَّ الخير من الله والشر من العباد، وبذلك يكون قد سار على نهج الحسن البصري، ولم يرجع عن ذلك فيما بعد إلا تضامنا مع أبي عبيدة الذي كان لينا في البداية، لذلك اتهمت القَدَرِيَّة حاجب الطائي بالتناقض في أقواله. (2)

واعتبار ذلك تضامنا فأرى أن هذا لا ينسحب على عالم كحاجب الطائي، فلابد أن يكون باقتناع وإقناع من أبي عبيدة، والتضامن يوحي بالاستلام والخضوع لآراء أستاذه.

بينما يرشفارتز في مسألة أن الارتباك في القضاء والقدر لم يكن خاصا بالإِبَاضِيَّة، فقد كان يشمل معظم التيارات والفرق آنذاك، وقد ترك آثارا سلبية على وحدة المسلمين وكان الاختلاف كبيرا، لأنه يتعلق بشرعية سياسة الدولة الأموية، فلذلك كانت المسألة سياسية في البداية، ثم انتقلت إلى جانبها العقدي لاحقا. (3)

إلا أنَّ أبا عبيدة أراد أن يؤطّر القَضِيَّة ويضع لها أسساً، لكن دون أن تأخذ المنحى النهائي الذي سيعرف تطورا وبلورة مع الأجيال اللاحقة، وقد عرف زمن أبي عبيدة وطأة الصراع داخل المذهب وخارجه حَيْثُ روى لنا الدرجيني في طبقاته لقاء بين أبي عبيدة واصل بن عطاء وجدالهما حول القدر. (4)

يبدو

أنَّ اشتعال حمى الصِّراع حول القضاء والقدر في بيئة البصرة والتي كانت مركزا للفرق الإسلامية لابد أن يترك أثره في الداخل الإباضي، فقد انتقل إلى داخل الفرقة، ووقع جدال بين أبي عبيدة وأبي حمزة الكوفي الذي تشبث برأيه أنَّ الحسنات من الله والسيئات من العباد، فاجتمعوا عند حاجب فتم طرده من جماعة الإباضية، وأعلنت البراءة منه، بعد أن بدأ خطره يستفحل ويستدرج النساء والضعفاء.

حيْثُ ورد في كتاب الطبقات للدرجيني قول حاجب في حواره مع أبي حمزة بحضور أبي عبيدة: " لم تدرك أحدا

:

ودستوا مدينة في الأهواز (مدينة في إيران حاليا)، حدَّث عن يحي بن كثير وغيرهم، يعتبره علماء الجرح والتعديل من الثقاة والحفاظ، وقال عنه ابن سعد: "هشام ثقة إلا أنَّه يرى في القدر" محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي، سير أعلام النبلاء، ص 150/ 7.

(1) Pierre Cuperly، Introduction à l'étude de l'ibadisme et de sa théologie، P 258.

314/2

(3)Werner Schwartz، Les débuts de l'ibadisme en Afrique du Nord، P 46.

جوزيف فان آس، علم الكلام والمجتمع في القرنين الثَّاني والثَّالث للهجرة، تاريخ الفكر الديني في صدر الإسلام،

(4) أبو العباس أحمد بن سعيد الدرجيني (670 هـ)، كتاب طبقات المشائخ بالمغرب، ص 246/ 2.

ص

341