المذهب العقدي الإباضي في الفكر الاستشراقي
الجزء ١ · صفحة ٣٤٢الفصل الرابع: مسائل السياسة والمجتمع:
إلا وقد أدركته ولقيته إلا جابرا، فعن من أخذت هذا القول؟ قال منك أخذته قال: قال حاجب إني راجع عنه، فارجع عنه كما رجعت". (1)
وهذا يعطى إشارة أنَّ جماعة الإبَاضِيَّة بدأت تبلور آراءها حول القدر، بعد أن كان على فطرته كما كان في
صلا الله
عهد النبيء والصَّحَابَة.
واستقر رأي أبي عبيدة ومن بعده الرَّبيع و جمهور الإِبَاضِيَّة في القرن الثَّاني الهجري / الثامن الميلادي على أنَّ القدر كلُّه من الله. (2)
وذهب أبو عبيدة إلى القول إنَّ الله خالق الخير والشر، ويضعه في الفعل في وقته، وترتيب ذلك من الإنسان
الفاعل، الذي له اختيار ما يشاء فعله، وله الحُريَّة في التحرك والاختيار دون ضغط أو تردُّد أو خوف. فلذلك يرى كوبرلي أنَّ القدر بِالنِّسْبَة لأبي عبيدة هو علم الله الغيبي الأزلي، ولا يمكن أن يوجد شيء إلا علم
الله به، ويبقى أنَّ هذا العلم لا يؤثر، ولا يحدد مصير الإنسان.
حَيْثُ إِنَّ زعيم الجماعة الإبَاضِيَّة يرفض مسألة جبر الله للإنسان، والذي يتجاوز قواه، ويستدل بالآية الكريمة
لَا يُكَلِّفُ الله نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} (البقرة، 286).
وفي الوقت نفسه يرفض القائلين بأنّ الأشياء الحسنة تأتي من الله والأشياء السيئة تأتي من الإنسان. ومن هنا يرى كُوبَرْلي أنَّنا أمام صفحة مبدئية لمسألة القدر في العقيدة الإِبَاضِيَّة، والتي ستعرف نقاشا واسعا فيما بعد، هل أنَّ الله خالق أفعال العباد الحسنة والسيئة؟ (3)
فقد استقر رأي الإباضية المبدئي أنَّ الله خالق، وما عداه مخلوق، ومن المخلوقات نجد أفعال الإنسان، والإنسان بحريته وتكليفه يكتسب الأفعال، وكان هذا موقفا واضحا وسطا ضدَّ أهمّ تيارين بارزين متقابلين، تيار الجبر الذي يزيل عن الإنسان كل أنواع الحُرِّيَّة والفعل وتيَّار المعتزلة الذي يعطي للإنسان إمكانية خلق الفعل.
6
وكان استدلال الإبَاضِيَّة على القدر يعتمد على النَّص من خلال آيات بينات من القرآن الكريم منها: قال تعالى: ﴿وَالله خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ (الصافات، 96)، " وكذلك في الأفعال: هُوَ الَّذِي يُسَبِركُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ} (يونس، 22)
وكان رد تبغورين على المعتزلة ومن على نهجهم وسماهم بالمُزيليَّة لا َّم يُزِيلُون عن الله القدرة والسلطة على أعمال الإنسان وأفعاله، باعتبار أنَّ الفعل لا يصدر عن فاعلين وردَّ تِيبْغُورين أنَّ الله هو الخالق والمدير، أما العبد هو
(1) أبو العباس أحمد بن سعيد الدرجيني (670 هـ)، كتاب طبقات المشائخ بالمغرب، ص (2) فرحات الجعبيري، البعد الحضاري للعقيدة عند الإباضية، ص 419/ 2.
244/ 2
(3) Pierre Cuperly، Introduction à l'étude de l'ibadisme et de sa théologie، p 28.
342