المذهب العقدي الإباضي في الفكر الاستشراقي
الجزء ١ · صفحة ٣٤٣الفصل الرابع: مسائل السياسة والمجتمع:
الذي يؤمن أو يكفر، وأعطى في ذلك مثلا أنَّ الإنسان قد يملك عبدا، ولكن يرجع ملكه في النهاية الله، ولا نقول هنا بالشراكة في الملك. (1)
وقد شبههم تيبغُورين بالمجوس الذين نفوا الشَّر عن الله واستدل بالحديث الذي رُوي عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِي اللَّه عنْهُما عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّه قَالَ: " القَدَرِيَّة تَجُوسُ هَذِهِ الْأُمَّةِ". (2)
وكان لأبي عمار في كتابه الموجز الردود العَقْليَّة البارزة خاصة على المعتزلة القائلين بخلق الإنسان لأفعاله. كما عرفت هذه المرحلة تأثير واصل بن عطاء على بعض الإِبَاضِيَّة، من أمثال أبو محمد النهدي، (3) الذي عقد في البصرة مجلسا، حَيْثُ يُعتبر من تلاميذ واصل بن عطاء في الخفاء، وأخذ منه بعض الأفكار في القدر، ولم يعلن عنها على الملأ.
وعرفت المسألة نوعا من الحسم في عهد الإمام عبد الوهاب، ويبدو أنَّه كان مضطرا لذلك نتيجة النقاش والجدال الدائر بين الفرق المختلفة في تيهرت، وقد كانت هذه الحُريَّة الفكريَّة معروفة في عهد الدولة الرستمية، إذ أبدى موقفه وبلور القضيَّة، وأدان كل من يعتبر أنَّ الله لم يخلق الشَّر، كما أعطي للإنسان حُرِّيَّة التصرف في أفعاله، وقرر أنَّ الله أمر بترك الشر، ولكن الناس يفعلونه. (4)
ورغم أنَّ عبد الوهاب قد وضع خطوطا أولى لحسم المسألة لكنَّ الأئمة الرستمييّن من بعده لم يطوّروا المسألة، واستقر الوضع على حاله، ولعل النقاشات في المسألة قد خَبَت ولم تكن كوقع حالاتها في عهد الإمام عبد الوهاب، أو أنَّ الدَّولة كانت منشغلة بقضايا أخرى، ولذلك لم يقدِّموا نموذجا رسمياً لموقف الدولة تجاه هذه المسألة.
إلا أنَّ الوضع كان خاصا في نفوسة فقد مالوا إلى فكر الجبر، ولكن لأجل عدم السُّقوط في عقيدة الجبر علنا، ابتكروا مصطلح الجبل، وهو أنَّ الإنسان جُبل على أعماله أي طبع على أفعاله، ويعتبر كُوبَرْلي أنَّ هذه عقيدة جبرية مقنعة، إلا أنَّ النَّفوسيين تخلُّوا عنها لاحقا في القرن السَّادِس الهجري/ الثَّاني عشر الميلادي. واستمر الوضع على حاله حتى عصر أبي عمار عبد الكافي (570 هـ/1174 م)، أين أعطى صياغة نهائية واضحة
77/ 7
(5)
(1) تبغورين بن داوود بن عيسى الملشوطي، كتاب أصول الدين، ص 67. (2) رواه أبو داود في "سننه" تحت رقم (4691)، وقال محققه أنَّ اسناده ضعيف إلا أنه روي من طرق أخرى، أبو داود سليمان بن الأشعث الأزدي السجستاني (675 هـ)، سنن أبي داود، ص (3) أبو محمد النهدي (حي بين: 106 - 121 هـ /724 - 738 م)، أبو محمد النهدي البصري، ذكره الدَّرْجِينِي ضمن أعلام الطبقة الثالثة (150 - 100 هـ/718 - 767 م)، من الأنصار الأوائل لمذهب أهل الدعوة؛ كان خطيباً مصقعا، دعا الجماهير في البصرة إلى الخروج على
والي العراق خالد بن عبد الله القسري (ولايته: 106 - 121 هـ/724 - 738 م)، لمها فشا جوره وظلمه. (201810:30/ 02/13)
/ https://www.tourath.org/ar/content/view/1384/41
(4)Werner Schwartz، Les débuts de l'ibadisme en Afrique du Nord، P 48. (5)Pierre Cuperly، Introduction à l'étude de l'ibadisme et de sa théologie، P 263.
343