المذهب العقدي الإباضي في الفكر الاستشراقي
الجزء ١ · صفحة ٣٤٥الفصل الرابع: مسائل السياسة والمجتمع:
يتبيَّن من كتب التاريخ أنَّ النقاش حول الاستطاعة كان مبكرا جداً، إذ تروي لنا كتب السير تلك المناظرة التي وقعت بين المعتزلي كهلان الواصلي ووائل بن أيوب الإباضي، (1) وكان هذا في النصف الثاني من القرن الثاني الهجري. ناقش ويلكنسون في بحثه مسألة الاستطاعة وحُرِّيَّة الإنسان، حَيْثُ بيَّن أن القضيَّة عند الإِبَاضِيَّة كانت مطروحة منذ زمن أبي عبيدة وحاجب الطائي، ومحمد النهدي الذي يعتبر من أتباع التابعين، وقفوا كلُّهم ضدَّ القدريين، الذين يعتبرون من مخالفي الإِبَاضِيَّة. (2)
ثانيا" الاستطاعة وصلتها بالفعل
يذهب الإباضِيَّة غير مذهب المعتزلة إذا يعتبرون أنَّ الاستطاعة مع الفعل وتنتهي مع الفعل، وتُحدد كل مرة عند إرادة الفعل بينما المعتزلة يعتبرونها قبل الفعل وهي باقية. وفي هذا يتفق الإِبَاضِيَّة مع الأشَاعِرَة (3) والماتريدية في أنَّ الاستطاعة مع الفعل وأنها تفنى بفنائه، ويتفق الثلاثة الإباضية والمعتزلة والماتريدية على أنَّ الله لا يأمر بما لا يطاق.
يذهب كُوبَرْلي إلى أنَّ التَّفرقة في فعل الإنسان بين النَّصيب الإلاهي والنَّصيب العرضي يمكن من خلاله بشكل مباشر حل مسألة صفات الفعل للإنسان، لكنَّحُ رَّيَّة الإنسان تبقى إشكالاً كبيراً، فهل بإمكاننا القول إنَّ الانسان له الاستطاعة ليتصرف بحُرِّيَّة؟ هل هذه الاستطاعة دائمة؟ أو قبل الفعل ومتى يكون نهايتها؟
ومن الذين دافعوا عن الاستطاعة كذلك ردًّا على المعتزلة نجد الإمام الرُّستمي أبو اليقظان (855/ 240 -
(891/ 281
ويقول تيبْغُورين إنَّ الاستطاعة لا توجد إلا مع الفعل، ويذكر كُوبَرْلي إنَّ هذه الاستطاعة تُخلق له كل مرة من الله، ولا يمكن أن تكون استطاعة واحدة لفعلين لاشتغال قوَّته، إذن الاستطاعة تُخلق كل مرة لفعل جديد "وأنَّ استطاعة الإيمان غير استطاعة الكفر، واستطاعة كل فعل غير استطاعة غيره"
(4) "
(1) وائل بن أيوب الحضرمي، أبو أيوب (حي في 192 هـ)، من أهل حضرموت باليمن. عالم فقيه، عاش في القرن الثاني الهجري، من الذين أخذوا العلم عن أبي عبيدة، له مساهمات فعلية في إقامة إمامة طالب الحق باليمن، والإمامة بعُمان، وكانت له قدم راسخة في الفقه وعلم الكلام، وكان من أبرز العلماء الذين اجتمعوا لعقد الإمامة لغسان بن عبد الله سنة 192 هـ، بعد موت الإمام الوارث بن كعب، من آثاره: مناظرة مع رجل من المعتزلة، وله سيرة مشهورة ضمن مجموعة سير علماء الإبَاضِيَّة، رجع أبو أيوب إلى اليمن بعد إقامة الإمامة فيها، إلا أنه لما قتل طالب الحق عاد إلى البصرة، ومكث فيها مع الربيع إلى أن توفي
فيها 8658= http://www.taddart.org/?p. (201809:30/02/13)
(2) جُونْ كَرَافَن ولكِنْسُون، الإباضيَّة أصولها وتطورها المبكر في عُمان، ص 298.
(3) أبي
بكر محمد الطيب بن الباقلاني، كتاب التمهيد، ص 287.
(4) تبغورين بن داوود بن عيسى الملشوطي، كتاب أصول الدين، ص 131.
345