المذهب العقدي الإباضي في الفكر الاستشراقي مصطفى بن محمد بن داود ابن ادريسو

المذهب العقدي الإباضي في الفكر الاستشراقي

الجزء ١ · صفحة ٣٥٠

الفصل الرابع: مسائل السياسة والمجتمع:

وهذا فيه ميل إلى الجبر كما ذهب بعض العلماء، لذلك فعلماء نفوسة يسارعون إلى الإيحاء أنَّ هذا ليس جبرا، ويستشهدون بآيات عديدة منها قوله تعالى: فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسِ عَلَيْهَا} (الروم، 30). وكان هذا الاتجاه سائدا في جبل نفوسة، حتّى القرن السابع إلى عهد أبي نصر فتح بن نوح الملوشائي، حيثُ يقول: "فأفعالنا خلق من الله كلها ومنا اكتساب بالتحرك للبدن". (1)

وفي معرض حديث تيبغُورين في كتابه عن الجبريَّة والجبلية يمر عليها مرَّ الكرام دون التوقف لإبداء موقفه من الجبل الذي رفضه جُلُ الإِبَاضِيَّة، ويعلق كُوبَرْلي على هذا بقوله: "إنَّه يدعو إلى الحيرة أنَّ تبغورين لا يفرق بين الجبر والجبل، في حين أنَّ هذه التفرقة قد بينها عالم آخر من جبل نفوسة هو أبو نصر فتح الملوشائي" (2).

وذكر كُوبَرْلي أنَّ نفس الأمر يتعلق بأبي سهل يحي في كتابه معرفة توحيد الألوهيَّة، حَيْثُ لم يبين الفرق بينهما، هل هو جهل بالقضيَّة، أو غير ذلك ويبدو أنه استدرك في موضع آخر باعتبار أنه في زمن تيبغُورين قد تجاوز أهل نفوسة هذه المسألة أي في القرن السَّادِس الهجري، وانضموا إلى الإجماع الإباضي في القَضِيَّة. ويذهب الجعبيري إلى أنَّه في القرن 12/ 6 بدأ مفهوم الكسب الإباضي يأخذ مفهومه وحده وذلك من خلال

أبي عمار عبد الكافي. (3)

ومن هنا يتضح أنَّ مسألة الجبل في نفوسة في القرن السَّادِس الهجري، قد حُسم أمرها ولم يعد من يقول بها، وكان الرأي الغالب يستند إلى الإجماع الإباضي وهو القول بالكسب، لذلك فمن مُحصّلة القول أن لا يتكلم عنها تيبغُورين، وخاصة أنَّ كتابه كان مبنيَّا على الأساس جوابا على طلب سائل يستوضح آراء المذهب الإباضي وفي نفس

الوقت هو رد على الفرق المخالفة للمذهب الإباضي.

المطلب السادس: الرّزق

(4)

الرزق هو ما أعطاه إيَّاه، أي منحه وأكسبه إيَّاه، والرّزق من صفات الله أنه هو الرزاق ذو القوة المتين. والإشكال الذي وقع بين الفرق الإسلامية في مسألة الرّزق الحرام، والأشاعرة يرون أنَّ الرّزق هو ما ينتفع به الإنسان سواء كان حلالا أو حراما.

ويعتبر الإِبَاضِيَّة أنَّ الإنسان لا ينقطع رزقه بقتله، إنما كان ذلك مقدرا من عند الله أنه سيستوفي رزقه حتّى أجله، واستشهدوا بقوله في الحديث المرفوع عن ابن مسعود أَنَّ رَوْحَ الْقُدُسِ نَفَثَ فِي رُوعِيَ أَنَّ نَفْسًا لَنْ تَمُوتَ

(1) عبد العزيز الثميني (ت: 1223 هـ)، النُّور (شرح القصيدة التونيَّة للشيخ أبي نصر فتح بن نوح الملوشائي)، ص 151.

(2) Pierre Cuperly، Introduction à l'étude de l'ibadisme et de sa théologie، P 82.

(3) فرحات الجعبيري، البعد الحضاري للعقيدة عند الإباضية، ص 455/ 2. (4) تبغورين بن داوود بن عيسى الملشوطي، كتاب أصول الدين، ص 48.

350