المذهب العقدي الإباضي في الفكر الاستشراقي مصطفى بن محمد بن داود ابن ادريسو

المذهب العقدي الإباضي في الفكر الاستشراقي

الجزء ١ · صفحة ٣٥٣

الفصل الرابع: مسائل السياسة والمجتمع:

وإلا لما أقدم الناس على الائتمار بأوامر ربهم، أو الانتهاء عن المنهيات ولما وجدوا ما يردعهم أو يزجرهم من اقتراف الآثام والذُّنوب، لذلك كان التحذير والتخويف من عذاب الله، حال الإقدام على المعاصي، واتباع أوامره طلبا

لمرضاته وجزائه.

فكان جزاء آدم عليه السَّلام خسارته الجنَّة لمَّا عصى ربه، قال الله تعالى {قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا

يَأْتِيَنَّكُم مِّنْ هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} (سورة البقرة 38).

وأول جريمة وقعت على الإرض كان قد سبقها التَّحذير من عذاب الله، قال الله تعالى: {وَلَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطِ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ الله رَبَّ الْعَالَمِينَ. إِنِّي أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ = وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالمين (المائدة، 28).

وأمام هذه الحقيقة التي أرادها الله لهذا الكون، أرسل الله سبحانه وتعالى الرسل للنَّاس لينذروهم بهذه الحقيقة التي لا مناص منها ورُسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى الله حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلَ وَكَانَ الله عَزِيزًا حَكِيمًا

(النساء، 165).

المطلب الثاني: تحقق الوعد وانجاز الوعيد:

اتفق المسلمون على أنَّ الله تعالى سيحقق وعده للمسلمين والموفين بعهد الله، وذلك ظاهر في آيات عديدة من القرآن الكريم، قال تعالى: ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ (ق،29).

ولكن بالمقابل خاض المسلمون جدلا كبيرا فيما يخص انجاز الله لوعيده بالنِّسْبَة للمؤمن للعاصي، هل يكون تحققه حتما لا محالة، أم قد يشمل عفو الله وغفرانه لهؤلاء المستحقين لعذابه، حَيْثُ إِنَّ بعض المذاهب ذهبت إلى القول إنّ الله يمكن تفضلا منه أن يخلف وعيده فيتعذيب العصاة من المؤمنين، لأنَّه على حسبهم يكون الانتقال من العدل إلى الكرم فضيلة، قال الشاعر:

وإني وإن أوعدته أو وعدته *** لمخلف إيعادي ومنجز موعدي

وبالنسبة للإِبَاضِيَّة فحسب كُوبَرْلي فإِنَّ الله لا يخلف وعيده وإلا كان يغير أقواله، (1) وهو نفس رأي المعتزلة الذي ذهبوا هذا المذهب قال تعالى: لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ الله (يونس، 64).

المطلب الثالث: الشَّفاعة وعدم انفاد الوعيد:

يقول صاحب لسان العرب: اسْتَشْفَعه طلب منه الشفاعة أي قال له كُنْ لي شافعاً.

أمَّا في الاصطلاح وفق الإِبَاضِيَّة، فهي كما عرفها السالمي: "طلب تعجيل دخول الجنة، أو زيادة درجة فيها

(1) Pierre Cuperly، Introduction à l'étude de l'ibadisme et de sa théologie، P 149.

353