المذهب العقدي الإباضي في الفكر الاستشراقي مصطفى بن محمد بن داود ابن ادريسو

المذهب العقدي الإباضي في الفكر الاستشراقي

الجزء ١ · صفحة ٣٦٧

الفصل الرابع: مسائل السياسة والمجتمع:

كان انتماؤه إذا كان يطبق العدل والحق بين النَّاس وأي إمام يحارب المبتدعة فيمكن اعتباره إماما عادلا. ويعتبر كُوبَرلي أنَّ هذا رجوع في التَّقاليد الإِبَاضِيَّة أمام هذا التَّوسع في مفهوم العدل، ولكن إذا رأينا إلى الوضعية التاريخية التي كان يعيشها الإِبَاضِيَّة الوهبية في نفوسة، تبين معنى اجتهاد الجيطالي، إذ أنَّ الصراع المرير بين التكار والوهبيَّة، جعل التَّعايش السلمي فيما بينهم خيارا لا مفر منه خاصة أمام ضعف الوهبية في جربة في تلك الحقبة من

التاريخ. (1)

وتختلف عقيدة التوحيد لعمرو بن جُميع عن عقيدة نفوسة في إقرار العلاقة بين فئات المجتمع أو ما يُطلق عليه

بالملل، حَيْثُ نرى أَنَّ عَمْرُو بن جميع فصَّل في المسألة، بينما الجناوني كان له طرح مقتضب للموضوع. وقد عبر صاحب عقيدة التوحيد عن مخالفته الواضحة للأزارقة في التعامل مع الهاربين والفارين من الحرب، أو الجرحى، حَيْثُ نهى عن الإجهاز عليهم، بعد التأكد بعد التأكد من عدم خطورتهم أو عودتهم إلى الحرب، وكذلك عدم التعرض للنساء وأبناء العدو.

بينما الجناوني يذهب إلى جواز إهدار دم المتمرّدين والمقاتلين، ويعتبر ذلك حقا مشروعا، لكن لايجوز أخذ

مالهم وممتلكاتهم. ويصل كوبرلي إلى ملاحظة مهمة من خلال المقارنة بين العقيدتين فيقول إنَّه "لا يوجد أي أثر لأفكار الأزارقة في الفكر الإباضي، وهذا ما يدلُّ على الفرق الشاسع بينهما، وقد أيده في هذا رُوبيرتو روبيناتشي من خلال

أبحاثه". (2)

ويبين كوبرلي أنَّه من خلال متابعته للمسار التاريخي الذي عاشه الإباضِيَّة أثبتت جميع الوقائع والحروب التي خاضها الإباضية أنهم ملتزمون بعقيدة نفوسة بقوة سواء في تيهرت أو في نفوسة نفسها، رغم أنهم خاضوا حروبا ضارية، إلا أنهم أثبتوا صلابة عقيدتهم، والتزموا بنهجهم، فلم يجهزوا على جريح في المعركة ولم يأخذوا مالا بغير حق. (3) وبيَّن في موضع آخر أنَّ الإِبَاضِيَّة غالبا ما تنتهي كتبهم باللعن على المبتدعة، وهذا ليس حكما بالشرك أو الكفر عليهم أو التَّحريض ضدَّهم،

ا هو من باب التبرء منهم وبيان الموقف منهم.

(4)

ولم تكن البراءة في جميع أحوالها إيجابيَّة للإِبَاضِيَّة، فقد شقَّت أحيانا صفَّهم، وهذا ظاهر من خلال الصراع على الإمامة في عُمان، وكانت كذلك سبباً لانبثاق أكبر فرقة منشقة عن المذهب الإباضي وهي فرقة النكار، وكذا الأزمات

(1) Pierre Cuperly، Introduction à l'étude de l'ibadisme et de sa théologie،P 131.

367

(2) المصدر السابق، ص.61

(3) المصدر السابق، ص.61

(4) المصدر السابق، ص.176