المذهب العقدي الإباضي في الفكر الاستشراقي
الجزء ١ · صفحة ٤٠الفصل التمهيدي:
وقد لخص الجناوتي (1) هذه المفاهيم بذكر سورة الإخلاص، وقال إنها تشتمل على جميع ما يستلزم الوحدانية لله تعالى "قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ" (سورة الإخلاص). فقال: إنَّ هذه السُّورة (2) تؤكّد بشكل خاص قويّ على وحدانية الله، والدعوة إلى رفض جميع ما يتعلق
کمال الذات الإلهية العلية.
بمس
فأتى الجناوتي عليها من كل الجوانب فحلَّلها بطابع لغويعقدي فلسفي دفاعي، والهدف من ذلك تعظيم الله وإقرار عقيدة التَّوحيد، ولذلك تسمَّى أيضا بسورة التَّوحيد (3)». وكما هو في منهج الجنَّاوتي المركز على الرَّدّ على آراء الفرق المخالفة، فقد افتتح هذا الباب في عقيدته بالرد على الدَّهريين والماديين الذين ينكرون أنَّ للعالم إلها.
ثانيا: الذات والصفات:
صفة
يعتبر الاباضيَّة أن الذات والصفات غير منفصلين، فهم يقرّرون أنَّ صفات الله تعالى كصفات العلم والقدرة هي الذات وليست صفات معان قائمة بذاتها «لأن هذا يستلزم تعدُّد القدماء وكون ذاته محلا
تدلُّ
للأشياء». (4)
على
يقول أبو نصر الملوشائي:
وأسماؤه هو هيه لشن غيره
وذات المسمى غير تسمية مني
ويندرج تحت مبحث الصفات القضيَّة التي نوقشت بحدة في الفكر الإسلامي وهي مسألة خلق القرآن إذ هي
(1) يحيى بن الخير الجناوني (أبو زكرياء) (ق: 5 هـ / 11 م) من العلماء الأعلام بجبل نفوسة بليبيا، من قرية إجناون، وهو حلقة في سلسلة نسب الدين عند الإباضيَّة، أخذ العلم عن أبي الربيع سليمان بن أبي هارون، وغيره من المشايخ، إذ مكث في التعلم اثنتين وثلاثين سنة، فصار شيخًا عالميا فقيها، أخذ عنه بشر كثير، منهم: أبو الربيع سليمان بن يخلف المزاتي، وأبو زكرياء يحيى بن أبي بكرصاحب السيرة، وأبو سليمان داود بن هارون من آثاره العلمية عقيدة، نفوسة، كتاب الأحكام، كتاب الصوم، كتاب النكاح، كتاب الوضع، وهو مختصر في الأصول والفقه، حققه الشيخ أبو إسحاق إبراهيم اطفيش، وطبع عدة مرات. وللمحشي الشيخ أبي ستَّة محمد بن عمر حاشية عليه (مخ). وتتميز كتبه بسلاسة الأسلوب، فهي كتب مفيدة في التوحيد وفقه العبادات والأحكام، أودع فيها الرّاجح من الأقوال. معجم أعلام الإباضيَّة، ص 957 - 958، رقم الترجمة: 993.
(2) ذكر الواحدي في سبب نزول السورة أن وفدا جاء للنبيء فقالوا: «صف لنا ربَّك فإنَّ الله أنزل نعته في التوراة فأخبرنا من أيّ شئ هو ومن أي جنس هو أذهب هو؟ أم نحاس أم فضَّة؟ وهل يأكل ويشرب؟ وممن ورث الدُّنيا»، فأنزل الله تبارك وتعالى هذه الشورة. أبو الحسن على بن أحمد الواحدي النيسابوري، أسباب النزول، ص 404
261/ 1
(3) فرحات الجعبيري، البعد الحضاري للعقيدة عند الإباضية، ص أبو ستة، حاشية على كتاب الوضع، و 12.
(4) محمد
بن عمر
الجربي
(5) عبد العزيز التّميني (ت: 1223 هـ)، النُّور (شرح القصيدة النُّونيَّة للشيخ أبي نصر فتح بن نوح الملوشائي)، ص 118.
40