المذهب العقدي الإباضي في الفكر الاستشراقي مصطفى بن محمد بن داود ابن ادريسو

المذهب العقدي الإباضي في الفكر الاستشراقي

الجزء ١ · صفحة ٥٠

الفصل التمهيدي:

مسلك الدفاع: هذه المرحلة هي أيضا مؤقتة وتكون حال مداهمة العدو للأمة، وزمنها يكون على حسب انتفاء الخطر وضمور الأعداء، وسميت بالدفاع لأنَّ المسلمين يكونون منشغلين بالدفاع عن أنفسهم ومكتسباتهم عن إقامة الدولة والظهور على الأعداء، (1) فيلجأ الاباضيَّة إلى اختيار إمام يقود الجماعة لاسترجاع حقوقهم، وتسمى هذه إمامة دفاع، وينتهي عقد الإمامة بأمرين إما فشلها وفناء الثوار، أو اندحار العدو وزوال الخطر، ومن أمثلته في التاريخ الإباضي إمامة عبد الله بن وهب الرَّاسي. مسلك الكتمان: تعتبر مرحلة يعيش فيها الاباضيَّة حالة انهزام، وضعف فلا يستطيعون بناء دولة أو نهي عن منكر، فيرضى النَّاس، بالواقع، ويعيشون في سرّ، وكتمان، لكن تبقى أمورهم الداخلية في استمرار ونظام لإقامة شعائرهم وإدارة مجتمعهم، ولا يعني ذلك أنها تحضير لإنشاء سلطة، فالواقع يخبرنا أنَّه حال وجود سلطة فإن الاباضية يكتفون بها ويتعايشون معها، خاصة مع المدنية الحديثة، وبرز هذا في التاريخ انهيار الدولة الرستمية، وبروز نظام الحلقة الذي عوّض الإمامة بتنظيم شؤون التّجمعات الاباضية في دول شمال إفريقيا.

مسلك الظهور: هي مرحلة إعلان الدولة وقيام حكومة اباضيَّة، بعد توفر أسبابها من قوة ومنعة وأتباع، من أجل إقامة حدود الله وأحكامه، وردّ المظالم ونشر العدل، وإقامة الصلوات، وحفظ التغور، وتكون الدولة في هذه المرحلة مستقلة بنفسها، ولا يتحقق هذا المسلك إلا بالإمامة الكبرى التي تضمن تطبيق مقاصد الإسلام الكبرى في الحياة من حفظ الأموال والانفس، واشاعة العدل والمساواة بين الناس، والاطمئنان من خلال الدفاع عن حياض الإسلام، وقد تمثلت هذه المرحلة بإقامة الدولة الرستمية بشمال إفريقيا.

حادي عشر: استحالة رؤية الله:

يتفق الاباضية في استحالة رؤية الله في الدُّنيا والآخرة، ويعتبر تيبغورين أنَّ من زعم أنَّ الله يرى في الدُّنيا أو يمكن رؤيته يوم القيامة، وشبه تلك الرؤية بشيء من الأشياء من خلق الله فهو مشرك. (2)

وحمل الاباضيَّة الآيات التي يدلُّ ظاهرها على إمكانية الرؤية، والتي استدلَّ بها القائلون بالرؤية على غير ظاهرها: مثل قوله تعالى وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ (22) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (سورة القيامة، (23)، بمعنى منتظرة رحمته ونعيمه، وليست تنظر إليه، وأهل اللُّغة يفسّرون النظر بمعنى الانتظار، فقد ورد في سورة النَّمل حكاية عن الملكة سبأ " وَإنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِم بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ) سورة النَّمل، 35)، أي منتظرة بما يرجع الرسل من أخبار، وفي

(1) مدون جهلان، الفكر السياسي عند الإباضية (من خلال آراء الشيخ محمد بن يوسف اطفيش (1332 هـ/ 1914 م)،

156

تبغورين بن داوود بن عيسى الملشوطي، كتاب أصول الدين،

ص

149 50

ص