المذهب العقدي الإباضي في الفكر الاستشراقي
الجزء ١ · صفحة ٥٧الفصل التمهيدي: الاسْتِشْراق من خلال تعريف جودي يتبيَّن أنَّه علم يتعلق بالشرق ويقصد بها شرق جنوب قارة أوروبا وهو مصنف ضمن
العلوم الروحية ويقصد بها العلوم الإنسانية بما تشتمل عليه من لغة وتاريخ ولاهوت، وقد حصر نطاق بحثه في جغرافيا المناطق التي تطل على البحر الأبيض المتوسط، والتي سماها العالم الكلاسيكي.
التعريفات التي فيها حكم سلبي على الاستشراق نجد صلاح عابد الجابري الذي يعتقد أنَّ الاستشراق هو
قراءة العقل الغربي للعالم الإسلامي إلا أنَّه مرتبط بالإيديولوجية الإمبريالية الغربية مما يعطينا انطباعا أنَّه أبعد ما يكون عن تحرّي الحقيقة ونشد الموضُوعِيَّة، ويعتقد الجابري أنَّ العقل الغربي غالبا ما يكون منساقا للنزعة الفوقية
والإحساسبالتفوق العرقي والحضاري.)
(1)
إنَّ هذا التعريف الذي يحمل في طياته حكما على الاستشراق غالبا ما يرد في أقوال الناقدين أو المتهجمين على الحركة الاستشرقية ككل، وغالبا ما يضعون جميع المستشرقين باختلاف أطيافهم وانتماءاتهم في صف واحد، وهذا نفسه في اعتقادي تعوزه الموضُوعِيَّة.
كما أنَّنا نلاحظ أنَّه حَصَرَ الاستشراق فيما يتعلق بالشأن الإسلامي، وأخرج منه الأديان الأخرى.
وفي تعريف الشرق وجد الخربوطلي صعوبة في تحديده جغرافيا، بينما يرى في المستشرق "أنَّه عالم غربي يهتم بالدراسات الشَّرْقِيَّة"، (2) إلا أنَّه ذكر من خصائصه وجوب انتمائه إلى الغرب، ويعتبر أنَّ اليابانيين مثلا ليسوا بمستشرقين ولو درسوا الإسلام، ونزع من المستشرق ضرورة إتقانه لإحدى لغات الشرق، التي هي عند الآخرين شرط أساسي لا غنى عنه.
ويعرف الزيادي الاستشراق أنَّه طلب الشرق الذي هو آسيا وإفريقيا من قبل الغرب الذي هو أوروبا وأمريكا، وهذا الطلب قد يحمل على معنيين، فإذا كان معرفيا فهو من باب البحث والتخصص، وإذا كان سياسيا فهو جهود الغربيين من أجل السيطرة على الشرق. (3) نلاحظ أن هذا التّعريف حاول فيه الزيَّادي إقرار أنَّ الاستشراق لا يمكن أن يحمل على حكم واحد،
فالمستشرق هو الذي يحدّد ماهية الاستشراق من خلال مدى التزامه بالموضُوعِيَّة من عدمها، أو التعامل هدفها ديني أو استعماري.
وفي نفس الوقت نلاحظ أنه حصر المستشرقين في أروبا وأمريكا، كما قيّد الحيّز الجغرافي في إفريقيا وآسيا.
مع جهة
(1) صلاح الجابري، الاستشراق قراءة نقدية، ص 11. حسني الخربوطلي، المستشرقون والتاريخ الإسلامي، ص 22
(3) محمد فتح الله الزيادي الاستشراق أهدافه ووسائله (دراسة تطبيقية هو منهج الغربيين في دراسة ابن خلدون)، ص 18.
57