المذهب العقدي الإباضي في الفكر الاستشراقي مصطفى بن محمد بن داود ابن ادريسو

المذهب العقدي الإباضي في الفكر الاستشراقي

الجزء ١ · صفحة ٦٢

الفصل التمهيدي: الاسْتِشْراق

أوروباحينها ترزح تحت الجهل نتيجة عصر الظُّلمات والاستبداد الملكي والاستعباد الكنسي. ومن أجل أن يتمكن الأروبيون من محو سنوات الجهل والظلم، لابد أن يتجهوا للشرق ليتعلموا لغته، وليأخذوا من علومه وقيمه وأخلاقه التي استقوها من الدين الإسلامي. ومن الباحثين من يطلق على هذا الدَّافع مصطلح الأكاديمي وهي كلمة تطلق على كل دارس للآداب واللغات الشَّرْقِيَّة أو المتخصص في إحدى الدول الشَّرْقِيَّة سواء من الجانب الأنثربولوجي أو السيسيولوجي. فلذلك دأب الأروبيون على جمع المخطوطات واستنساخها أوشرائها ونقلها إلى أروبا، ليترجموها إلى لغاتهم،

(1)

ويعلموها لأبنائهم بعد أن يعودوا إلى بلدانهم. وكان أساس تعليم المسلمين للغرب هو نشر العلم ونفي التخلف والجهل من الأمم المتخلفة وهذا واجب ديني، فلذلك لم يبخلوا على الأروبيين بشيء من معارفهم، ولم يكتموا علما حباهم الله به.

ولذلك عرفت حركة الترجمة انتشارا واسعا في شتّى مجالات الكتب سواء من رياضيات وعلوم وفلك وفلسفات،

(2)

وهذا يدلُّ على التّعطش الرهيب والتخلف الشَّديد الذي عانت منه أوروبا أزمنة مديدة، وقرونا عديدة. وفي هذا الجانب لابد من الإشارة إلى أنَّ المستشرقينليسوا جميعا سواء، فمنهم من أقبل على دراسة الإسلام دراسة علمية بحتة، متجرّدين من الهوى والتَّعصب، فمنهم من " بدافع من حبّ الاطّلاععلى حضارات الأمم وأديانها وثقافاتها ولغاتها فكانوا بذلك أقل من غيرهم خطأ في فهم الإسلام وتراثه لأنهم لم يكونوا يتعمدون الدَّسَ والتَّحريف، فجاءت أبحاثهم أقرب إلى الحق وإلى المنهج ورغم التزام بعض الباحثين المستشرقين بالموضُوعِيَّة العلميَّة من أجل الوصول إلى الحقيقة في دراستهم للشرق فإن إسماعيل علي محمد يعتبرها موضوعيّة "نسبيَّة" أي بالنسبة إلى غيرهم من المستشرقين، ويحذر في هذا المقام من مغبة الإسراع في إطلاق كلمات الثَّناء في كل من ادعى قول الحق والبحث عن الحقيقة دون أن نضع جميع كتاباته في ميزان التحقيق، فإنَّنا قد نجد مؤلفا فيه قدح أو غمز أو تلميح ضدَّ الإسلام والمسلمين)

ثانيا: الدافع الديني:

النَّزْعَة الدِّينِيَّة قد تكون من أهمّ دوافع الإنسان في قرارات حياته وبناء أهدافه، ولعل هذا الجانب في الاستشراق

له أهميته الشديدة فلا يخفى على ذي بال أنَّ نشأة الاستشراق وميلاد فلسفته وبناء اتجاهاته كان للعامل الديني فيه أثر

(1) محمد إبراهيم الفيومي الاستشراق في ميزان الفكر الإسلامي، ص 17.

(2) م

مصطفى السباعي، الاستشراق والمستشرقون مالهم وما عليهم، ص 24.

(3) اسماعيل عليمحمد، الاستشراق بين الحقيقة والتضليل،

ص 48.

62