المذهب العقدي الإباضي في الفكر الاستشراقي
الجزء ١ · صفحة ٦٥الفصل التمهيدي: الاسْتِشْراق
أما بالنسبة للغرب فقد رسمت له صورة مشوَّهة عن الإسلام، وبخاصة بعد الحروب الصليبية، ليتم اعدادهم نفسيا لمواجهة البلدان الإسلاميَّة، كما بثُوا في أنفسهم وفي مخيالهم روح العلوّ، والرّفعة، وظل هذا لصيقاً بفكرهم طول مرحلة الاستعمار للشعوب المقهورة. (1)
وهذا الهدف الذي غالبا ما عُيّر به الاستشراق باعتباره الممهد الحقيقي للاستعمار، فهو تحالف استراتيجي ظل يرافقه حقبة طويلة.
رابعا: الدافع الإقتصادي (التجاري):
إن ظهور الثَّورة الصناعية في أروبا وما أعقبها من نماء ووفرة في انتاجها جعلها تبحث عن أسواق بديلة لما عندها، فلم تجد متنفسا لها إلا في بلدان الشرق، خاصة لأنها تحتوي على ثروات أولية ضخمة تستطيع الحصول من خلالها على وفرة مالية ونقدية.
فكانت أبحاث المستشرقين لا تخلو من هذا الغرض، إذ كان بعضها يتميّز بتحليل عقلية الشرقي، وما تربطه من روابط مع الشوق والاستهلاك، ومن الطبيعي أن يوظف الاستعمار هذه المعلومات ليدفع بحركية إنتاجه، وبناء ذاته من خلال مدخرات الأمم المقهورة والمغلوبة.
وكانت بعض هذه الدراسات وسيلة لبتِ روح ثقافة الاستهلاك والاعتماد على الغير بدل الاعتماد على النفس
وإنتاج ما تحتاجه الأمَّة، والاعتماد على الاستهلاك الواسع.
ولعل هذا نموذج من الذهنيات التي نعيشها في عصرنا الحاضر، إذ التباهي في الاستهلاك سمة من سمات التفوق والعصرنة، إذ أصبح الذي يشتري السلعة الغالية دليل على تقدمه وعصريته، بدل التفاخر بالإنتاج والابتكار، وأصبحت معظم اقتصاديَّات الدول ذات الأغلبية المسلمة مبنيَّة على الرّيع، وما يخرج من باطن الأرض، وجميع ما يستهلك إنما يأتي للأسف من الشعوب المتقدمة، حتى طعامها وشرابها ولباسها لم يسلم من الاستيراد، فسلموا أمر أنفسهم لغيرهم ورضوا بالذُّل والهوان (2)
وقد أعطى في ذلك الندوي نموذجا عن الخمول والكسل الذي ساد المسلمين، حيث كانت أروبا حينها تخطو خطوات عملاقة في الإنتاج والصناعة، وكان ذلك المثال عن تركيا التي كانت حاضرة العالم الإسلامي في وقتها بقوله: " مما يُنبئ عن خمول تركيا في ميدان العلوم والصناعات، أن صناعة السفن لم تدخل في تركيا إلا في القرن السادس عشر، ولم تدخل المطابع في العاصمة والمحاجر الصحية في الدولة إلا في القرن الثامن عشر، وكذلك مدارس الفنون
(1) أمجد يونس الجنابي، آثار الاستشراق الألماني في الدراسات القرآنية، ص 37.
(2) شكيب أرسلان، لماذا تأخر المسلمون ولماذا تقدم غيرهم،
ص
87
65