المذهب العقدي الإباضي في الفكر الاستشراقي
الجزء ١ · صفحة ٦٦الفصل التمهيدي: الاسْتِشْراق الحربية على النسق الأروبي" (1)
خامسا: الدوافع التاريخية:
تميزت العلاقات بين الغرب والشرق بالندية، فكانت محاولة كل فريق السيطرة على الآخر، فسادتها لحظات فتور كما سادتها لحظات إقبال وإدبار من هجوم، وعداء، وهدم وبناء، وقد استمر هذا الأمر فترات مديدة فكان مرّة يخفت ومرة يظهر، كما أنه كان يشتد ويضعف.
وقد كان هذا الصراع في صور وأشكال مختلفة، فقد كان مرة صراعا فكريَّا، ومرات عديدة صراعا مسلّحا، وكان الإسلام هو مدار رحاه، إذ هو الذي ساهم في حفاظ الأمة على مقوّماتها رغم المحاولات العديدة. مما جعل الغرب مضطرا إلى محاولة فهم الإسلام وتحليل أفكاره، وكيف السبيل لإيقاف هذا المد الجارف، الذي بدأ يدقُ أبواب أوروبا من الشرق كما دقها من الغرب، وما هي حدود هذا الدين؟، وكيف الخلاص منه؟ وما هو سر هذا الدين الذي حوّل أناساً من رعاة وبحار عبر الصحراء إلى مفسّرين ومترجمين للفلسفة اليونانية التي حار فيها الأروبيون، فأحس الغرب بذلك الهوان الذي وصلوا إليه، لأنهم اضطروا في مراحل التاريخ أن يحثوا على ركابهم من أجل أخذ العلم من أساتذة المسلمين، وبالتالي عرف الاستشراق النمو والتطور عبر مراحله في
التاريخ.
ومع
أحضان
ما سبق فإنَّه إذا أضيف إليه أمجاد المسلمين وسيطرتهم التاريخيَّة على الأندلس، والحروب التاريخية المتواصلة والتي حقق فيها المسلمون نجاحات متوالية، واستيلاء المسلمين على القسطنطينية، وإغلاقهم الطرق البَحْرِيَّة، مما حدا بالأروبيين إلى سلك طرقٍ أبعد بكثير منها، كل هذا يجعل الأروبييّن يرون في المسلمين العدوّ الأوّل، والمهدّد لوجودهم تاريخا ودينا، ومن هنا يعطينا الصُّورة واضحة على الدور الذي لعبته الدَّوافع التاريخية في ميلاد حركة الاستشراق. (2) سادسا: الدافع الإيديولوجي:
لا شكّ أنَّ الإيدلوجيات هي التي تسيّر الشعوب وفق وجهة معينة ومحددة متعلّقة بمصالحها، وهي خطيرة وصالحة في نفس الوقت، إذ هي مكمن الصراع الفكري بين شعوب الأرض سواء تعلق الأمر بين الإنسان وأخيه، أو بين الشعوب، أو بين الأمم والدول.
هي
وهي صراع الأفكار والنماذج والقوالب التي يراد للإنسان يمشي وفقها وهذه الأفكار تسعى في صراع لتكون السائدة والمسيطرة في نفس الوقت، فيسود الإنسان على أخيه الإنسان، وقد يتكبّر ويتجبّر ويطغى عليه وفق
(1) أبو الحسن الندوي، ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين، ص
رد) جي
مراد ردود على شبهات المستشرقين، ص 47.
139
66