شرح الصدور لتفسير سورة النور
الجزء ١ · صفحة ١٢٧الآية: 35
تفسير سورة النور
127
وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ:
وضرب الله المثل لتوهّج ذلك النور بما كان الناس يعرفونه إلى وقت التنزيل من استعمال تلك الوسائل البسيطة في تركيب يحصر أشعة النور ويمنع عنها الرّيح فلا تضطرب ولا تنطفئ، فجعل من المشكاة وسيلة لحصر الأشعة، وجعل من المصباح المشتعل بفتيل الزيت الصافي مصدرا لذلك النور، وشبه الزجاجة التي يكون فيها المصباح بالكوكب الدري في لمعانه، وللدلالة على توهج النور وصفائه أضفى على زيت المصباح أوصافا تجعله ممتازا في نوعيته بكونه من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية فهي ملء أشعة الشمس في بطحاء واسعة لا يظللها شجر ولا حجر، فإذا كانت شجرة الزيتون في مثل ذلك الموقع فإن زيتها يكون أصفى الزيوت حتى لكأن النور يكاد ينبثق منها ولو لم تصبها نار وبذلك يكون قد توفرت لذلك المصباح كل وسائل التوهج والإنارة: نُورٌ عَلَى نُورة.
وقد أحسن الإمام المودودي في تحليل هذا التشبيه وبيان ما ينطوي من دلالات إذ قال ما نصه: "فالله سبحانه وتعالى قد شبه نفسه في هذا المثال بالمصباح وشبه الكون بالمشكاة، وأراد بالزجاجة ذلك الستر الذي قد وارى فيه الحق تعالى نفسه عن نظر