محاضرات عن الثورة التحريرية الجزائرية
الجزء ١ · صفحة ١٠٦غضبًا، وفزعت لتحدّيها وسائلَ القهر والاضطهاد …(1) فلم تجد في النّهاية غير وسيلة الإعدام سبيلا لتتخلّص من القلق النّفسي والعجز الكلّي عن إيقاف هذا الإعصار وهذا السّيل الجارف.
لكنّ هذا العمل الجبان أثار ضدّ فرنسا موجة من السّخط والسّخريّة من الأحرار والشّرفاء في العالم بأسره، وبخاصّة في حقّ " جميلة بوحريد " التي أصبحت فيما بعد رمز الصّمود والبطولة والشّجاعة والوطنيّة، التي صدر في حقّها حكم الإعدام سنة 1958م.
تحرّك العالم يندّد بهذا الحكم، ويطالب فرنسا أن تمسح العار عن نفسها؛ بالعدول عن حكم الإعدام، فتصدر في القاهرة، عن دار الفكر في السّنة نفسها مجموعة شعريّة بعنوان: " جميلة "، ويؤلّف عبد الرّحمن الشّرقاوي مسرحيّة شعريّة بعنوان: " مأساة جميلة "، وتكثر الأشعار كثرة لافتة للنّظر، مستهجنة هذه العمل المشين المسيئ لمن حمل شعار (العدل والحريّة والمساواة). فما كان من المتغطرس الضّعيف الذّليل إلاّ أن يعدل عن الحكم. فيكتب الشّعر عن هذا الحدث روائع كبيرة خالدة، عِظَمَ الثّورة وخلودها، تعانقت وتناغمت مع سموّ المرأة البطلة والشّجاعة.
يقول صالح الخرفي: " ولكنّ الشّعر الثّوري في الجزائر يعالج مأساة (جميلة) بنفس الرّوح المتسامية، والتّصعيد البطولي، ويهلّل للموتة الشّريفة، تقترب من إحدى بطلات الجزائر، ويحدو (جميلة) بما حدا به الشّهيد (زبانة)، ويعتزّ بها قربانًا جديدًا على مذبح الحريّة، ولأيّة غاية تتعلّق البطلة بالحياة، أليست تعيش ذروة الفخر والاعتزاز، أليست بالغة في الشّهرة مداها، وفارضة على التّاريخ اسمها الدّاوي، فلتقدم على الموت لتهب الحياة لشعبها، ولتنْزل المقصلة، أو ليتدلَّ الحبل، أو لتدوّ الرّصاصة، ولتسترح (جميلة) إلى الأبد. "(2)
نظم الكاتب نفسه قصيدة بعنوان: " استريحي يا جميلة " يوم 4 من أفريل 1958م، وذلك قبل أن يرفع الحكم عنها، كتب يحيّي البطلة،
(1) - برزت في الميدان – بخاصّة – الجميلات الثّلاث: جميلة بوحريد، جميلة بوباشا، جميلة بوعزّة.
(2) - الشّعر الجزائري، ص: 250، 251.