محاضرات عن الثورة التحريرية الجزائرية محمد بن قاسم ناصر بوحجام

محاضرات عن الثورة التحريرية الجزائرية

الجزء ١ · صفحة ١٠٥

رفاقه علَى الجَبَل

وَمدَّت اليَديْنِ في الفَضاء

وفي العَيْنَيْنِ دَمْعتَانِ من لَهِب

وَثَرْثَرَتْ بِصوتِها المخنوق:

" المَجْدُ للوَطَن "(1)

كلّ ما أراد الشّاعر أن يثبّته في أذهان المتلقّي هو قوّة تجلّد المرأة أمام هول الموت، الذي يعصف بفلذة كبدها، وثباتها أمام هذا الإعصار الذي يقضي على قلب الوالدة، حين يصلها خبر ذهاب وليدها ورحيله عنها إلى الأبد. لكنّ المرأة المؤمنة بقضيّتها، الواعية لدورها وواجبها في المشاركة في التّحرّر من الأغلال والقيود، تتجاوز هذه القاعدة، ولا تنظر إلى الموقف سوى أنّه وسام وشرف يمنحان لها في خضمّ معركة الكرامة والعزّة.

الوصف الدّقيق والمركّز لمراحل وصول البرقية، وطريقة فتحها، ولحظات الانتظار لمعرفة ما تحمله، والمقاربة بين حال المرأة، التي تكشف عن وضعية بائسة، وقراءة الخبر، وما أعقب ذلك من مظاهر الرّضا والفرح بما حدث، ثمّ التّلفّظ بعبارة " المجد للوطن " التي تردّدت أكثر من مرّة في النّصّ … إنّ كلّ ذلك يبرز الهدف الذي أراد الشّاعر أن يصل إليه، وهو تسجيل بطولة المرأة ومشاركتها الفعّالة في الثّورة إلى جانب الرّجل؛ إذ المرأة خارج هذا الإطار هي مخلوقة عاديّة، تؤثّر فيها عواطفها الطّاغية فتضعفها، بينما أمام الواجب المقدّس لا يمكن إلاّ أن تكون قويّة، تبعث في الرّجل التّفاؤل والأمل، وتزرع فيه قوّة العزيمة؛ ليواصل العمل. كما أنّ هذا الوصف والتّصوير رسالة موجّهة لمن يعنيه الأمر، يعلنان لهم أنّ الثّورة استقطبت كلّ فرد، من دون استثناء، فلا يمكن لأيّ وطنيّ أن يفكّر إلاّ في العمل والجهاد لقهر العدوّ ودحض الشّرّ، وطرد الاستعمار.

النّصّ السّابق عرض موضوع تجلّد المرأة (الأمّ) أمام خبر استشهاد ابنها. أمّا النّصّ الآتي فيعالج قضيّة الحكم على المرأة الثّائرة نفسها بالإعدام، بعد أن ضاقت فرنسا بنضالها وشجاعتها ذرعًا، واستشاطت

(1) - النّصر للجزائر، ص: 57 ــ 60.

٩٩ / ١٢٦