محاضرات عن الثورة التحريرية الجزائرية محمد بن قاسم ناصر بوحجام

محاضرات عن الثورة التحريرية الجزائرية

الجزء ١ · صفحة ١١٣

لقد كانت هذه اللّيلة بالنّسبة للجزائريّين ليلة القدر، فهي بذلك ليلة عظيمة مقدّسة؛ لأنّها كانت فاتحة عهد جديد، وصاحبة الفضل لفتح مبين، جاءت به للجزائريّين، وقد فتحت لهم طريق الانعتاق من نير الاستعمار، فكانت عظمةَ ليلة القدر، التي نزل فيها القرآن، الذي غيّر حياة النّاس وحوّلها إلى سعادة وأمن وهناء … كذلك كانت ليلة أوّل نوفمبر نقطة تحوّل في حياة الجزائريّين، وبداية تبديد ظلام الظّلم والقهر وسلب الحقوق، ومنطلق تغيير الوضع إلى حال الأمن والأمان.

صوّر الشّاعر صالح خبّاشة قوّة الثّورة وعظمتها، وسجّل استمراريتها وبقاءها صامدة، بل زاحفة على كلّ قوّة، تحاول القضاء عليها، ووسمها بأنّها مشعل من نور الله، ومعجزة مستمدّة من إرادة الله. قال الشّاعر:

هي مشعل كم حاولوا إطفاءَه … والله … يأبَى ذاك، … فهو تَمامُ

هيَ معجزاتُ، حيّرت ألبابَهم … وتقاصرَتْ … عن سرّها الأفهامُ

قالوا: همُ الصّحبُ، الذين قليلُهم … يُفنِي الكثير، فمالهم … أجسام(1)

الصّورة مقتبسة من قوله تعالى: ﴿يُريدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ الله بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى الله إِلاَّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الكَافِرونَ﴾ (سورة التّوبة: 32). ومن قوله تعالى: ﴿ … كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَليِلةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ الله وَالله مَعَ الصَّابِرينَ﴾ (سورة البقرة: 249)

الممارسات التي قام بها الاستعمار الفرنسي لِثَنْيِ الشّعب الجزائري عن عزمه، والنّيل من إرادته في التّحرّر من الظّلم والضّيم والغشم، وصدِّ ثوّاره عن مواصلة الكفاح والنّضال ضدّ غطرسة العدوّ المحتلّ، ومنعه من مقاومة فظائع الظّالم المستبدّ، المدجّج بالأسلحة الفتّاكة، والمدعوم بالأحلاف العسكريّة … لم تمنع الجزائريّين من المضيّ في درب الكفاح والجهاد. صوّر الشّاعر صالح الخرفي هذا الصّمود، وقرنه إلى ثبات سدّ ذي القرنين، الذي صمد أمام طوفان "ياجوج وماجوج":

(1) - صالح خبّاشة، الرّوابي الحمر (ديوان شعر)، الشّركة الوطنيّة للنّشر والتّوزيع، الجزائر، 1971م، ص: … 137، 138.

١٠٧ / ١٢٦