محاضرات عن الثورة التحريرية الجزائرية محمد بن قاسم ناصر بوحجام

محاضرات عن الثورة التحريرية الجزائرية

الجزء ١ · صفحة ١١٤

رَمانَا الغَرْبُ بالنوّب الدّواهِي … فَكُنَّا في اتّساع الصّدرِ بَحرَا

وجاؤُونا (بياجوجَ) جنودًا … فكُنّا سدَّ (ذِي القَرْنين) أسْرَا

فَرامُوا بالحديدِ له انْصداعًا … فكانَ حديدُهم للسّدّ قِطرَا

فما اسْتطاعُوا لهُ نَقْبًا، فولّوا … على الأعقَابِ، يَلتَمِسُون أزرَا(1)

" إذا توقّفنا عند تفسير الآيات(2) التي استلهمها الشّاعر لبناء صورته هذه، أدركنا مدى توفيقه في اختيار الصّورة المعبّرة عن حقيقة ما أراد تصويره. ذكر المفسّرون أنّ (ياجوج وماجوج) كانوا من أكلة لحوم البشر، يخرجون في الرّبيع، فلا يتركون أخضر إلاّ أكلوه، ولا يابسًا إلاّ احتملوه(3) ألم تكن فرنسا آكلة لحوم الجزائريّين بالإعدام والإفناء؟ ألم تتّبع سياسة الأرض المحروقة، والإتيان على الأخضر واليابس؟

كما أنَّ الشّاعر حافظ على كثير من عبارات الآيات (ياجوج وماجوج، سدّ ذي القرنين، قِطر، فما استطاعوا له نقبا). كلّ ذلك يشير إلى تعلّق الشّاعر بالصّورة التي فصّلت القول في تصوير قوّة ذي القرنين، أمام ممارسات ياجوج وماجوج، وقوّة الثّوّار الجزائريّين، أمام تعسّفات المستعمر الفرنسي."(4)

كانت ضربات الفدائيّين قويّة، وقتالهم شرسًا، دوّخ فرنسا، ومن يساندها، فأثارت رعبًا وهلعًا في صفوف الأعداء، ووصلت إلى معاقلهم فدكّتها، وأوجدت اضطرابًا في هيئاتها. هذه القوّة تهيّأت للجيش الجزائري لأنّه استنصر الله فنصره، وهو القويّ العزيز:

وقال الله: كنْ يا شعبُ حربًا … علَى مَنْ ظلَّ لَا َيَرْعَى جنابَا

(1) - صالح الخرفي، أنت ليلاي (ديوان شعر)، ص: 16.

(2) - تراجع الآيات: 90 – 93 من سورة الكهف.

(3) - ينظر محمد علي الصّابوني، صفوة التّفاسير، القسم الثّامن، طَ1، دار القرآن الكريم، بيروت، َ1981م، ص:30.

(4) - محمد ناصر بوحجام، أثر القرآن في الشّعر الجزائري الحديث، ج1، ص: 232، 233.

١٠٨ / ١٢٦