محاضرات عن الثورة التحريرية الجزائرية
الجزء ١ · صفحة ١١٦" إذا استحضرنا المناسبة التي نزلت فيها الآية القرآنيّة، وهي غزوة الأحزاب التي تحالفت فيها قريش مع بني قريظة لضرب المسلمين، فهمنا الإيحاءات التي أوجدتها هذه اللّفظة:
1 - فرنسا جنّدت كلّ قوّاتها لضرب الثّورة الجزائريّة، وقريش جمعت كلّ إمكاناتها للقضاء على المسلمين.
2 - فرنسا احتمت بحصون الحلف الأطلسي، ومنظّمة الأمم المتّحدة، التي خذلت القضيّة الجزائريّة، وغيرها من المنظّمات الدّوليّة. وقريش استعانت ببني قريظة؛ لتساعدها في حربها ضدّ المسلمين. فتكون فرنسا – بذلك – قد ملكت صياصي، تحتمي بها من ضربات الثّوّار الجزائريّين. مع ذلك فقد زلزلت تلك الحصون، كما انهزم الأحزاب؛ بما أرسله الله عليهم من رياح، فرّقت جمعهم، وشتّتَتْ قوّاتهم.
هذا التّصوير لقوّة الثّائرين وإمكاناتهم، واندحار الغاصب الدّخيل، وهذه الظّلال، رسمتها لفظة " الصّياصي ". فكانت بين الصّورتين مقابلة دقيقة ورائعة. ربط فيها الشّاعر بين الدّلالة اللّغويّة والتّاريخيّة والتّصويريّة للّفظة."(1)
البطولات التي صنعها الشّعب الجزائري في ثورته المظفّرة على الظّلم والطّغيان والجبروت، والمواقف التي وقفها الأبطال الأشاوس … هي من صنع مدرسة الإيمان، ومن إعداد حظيرة الإسلام. لذا ربطها الشّعراء بالرّوح الإسلامية، وصبغوها بالصّبغة الدّينيّة، وهم يدوّنونها ويحفظونها في سجلاّتهم، لتقرأها الأجيال المتعاقبة، وتنتفح بها وتنتفع. نأخذ نَموذجًا واحدًا يصوّر هذا التّناول. وهو مقتطفات من قصيدة " الذّبيح الصّاعد" لشاعر الثّورة الجزائريّة مفدي زكريّاء. التي خلّد بها حدثًا بطوليًّا تاريخيًّا مهمًّا، وهو تدشين الشّهيد "أحمد زبانا " المقصلة، إذْ أعدم بوحشيّة؛ لذنب واحد ارتكبه، هو رفع السّلاح لاسترجاع حقّه المسلوب ممّن غصبه منه، وتحرير وطنه من الاستبداد والطّغيان.(2)
(1) - محمد ناصر بوحجام، أثر القرآن في الشّعر الجزائري الحديث، ج1، ص: 241.
(2) - أحمد زبانا أوّل شهيد دشّن المقصلة، أعدم في سجن " بربروس " بالجزائر العاصمة، يوم 19 جويلية 1956م. كما ذكر لي ذلك أستاذي الدّكتور محمد ناصر، وليس سنة 1955م، كما ورد في اللّهب المقدّس، ص: 9.