محاضرات عن الثورة التحريرية الجزائرية
الجزء ١ · صفحة ١١٩جلاّ … دِي، ولا تَلْتَثِمْ، فلستُ حَقودَا
وَاقْضِ يا موتُ فِيَّ مَا أنتَ قاضٍ … أنا راضٍ، إنْ عاشَ شعبِي سعيدَا
أنا إنْ مِتُّ، فالجزائُ تَحيا … حُرّةً … مُستقلّةً، … لنْ … تَبيدَا
قوْلةٌ، … ردّدَ الزّمان، … صداها … قُدُسِيًا، … فأَحْسَنَ … التّرديدَا
احْفظوهَا … زَكيّةً … كالمثاني … وانْقُلُوهَا … للجِيلِ ذِكْرًا مَجيدَا
وأقيمُوا منْ شَرعِها صلواتٍ … طيّباتٍ، … ولَقّنُوها الوليدَا(1)
إنّ الشّهيد قبل أن يعدم قدّم للأحياء مثلا لِما ينبغي أن يكونوا عليه، وأذاع فيهم كلمات، كلّها هدى ونور، هي نداءات للقيام، وعدم النّوم والتّأخّر عن العمل. اختار أن تكون من مكان عالٍ علوًّا حسّيًّا ومعنويًّا. من فوق المصطبة التي أُعلِيَ عليها ليُقضَى عليه منها. فكانت بالنّسبة له المئذنة التي ينادي منها إلى خير العمل وخير الفلاح، وهي الصّلاة، التي تأتي بعد هجوع، يدوم ليلاً كاملاً.
هزّ بكلماته وصرخته، التي أدهشت، حتّى الذين أمروا بقتله، والذين كلّفوا بتنفيذ الحكم. قدّمها صرخة، أعلن من خلالها عقيدة من هم على شاكلته، ممّن بقي حيًّا، يواصل مسيرته هو. وهي الصّرخة التي تحدّى بِها سحرةُ فرعون سيّدَهم، حين انقلبوا عليه، وتركوا باطله إلى الحقّ الذي جاء به موسى عليه السّلام.
في هذا الاستيحاء، وفي هذا الرّمز من الإشارات والإيماءات، ما يستطيع فهمها ووعيها من رزق الثّقافة القرآنيّة، وأعطي فتوحًا إيمانيّة.(2)
(1) - اللّهب المقدّس، ص: 9، 10. القصيدة بعنوان: " الذّبيح الصّاعد "، تعدّ ثمانية وستّين بيتًا، نظمها الشّاعر في السّجن، وهو يشاهد تنفيذ حكم الإعدام على أحمد زبانة، ليلة 18 من جويلية (تموز) سنة 1956م.
(2) - الآية التي استلهمها الشّاعر في هذه اللّوحة الفنّية الرّائعة هي قوله تعالى: ﴿قَالُوا لَنْ نوْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ البَيّناتِ وَالذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الحياةَ الدُّنْيَا﴾ سورة طه، الآية: 72.