محاضرات عن الثورة التحريرية الجزائرية محمد بن قاسم ناصر بوحجام

محاضرات عن الثورة التحريرية الجزائرية

الجزء ١ · صفحة ١٢٠

لمْ يُثْنِ زبانا الصّلب، ولا الشّنقُ، ولا التّنكيل عن الثّبات على ما آمن به، وهو واجب مواصلة الكفاح والجهاد. وهو القائل في رسالة بعث بها إلى والديه: " إذا حدث لي شيءٌ، لا يليق بكم أن تحزنوا، فالموت في سبيل الجزائر سينقلني إلى حياة دائمة عند ربّي، والموت في سبيل الوطن هو واجب على كلّ مناضل، وقد وجب عليكم يا أهلي الأعزّاء أن تضحّوا بإنسان، هو أعزّ ما عندكم، وهو ولدكم."(1)

فَـ "زبانا " لا يضيره، ولا يحزنه ولا يقلقه ما آل إليه أمره وما قضي عليه. ما يهمّه هو أن يبقى شعبه حيًّا، يعيش سعيدًا. هذا ما يجب أن يحمله كلّ جزائري، وكلّ ثائر في قلبه، ويعمل على تجسيده في الميدان، فكانت رسالة الشّاعر أن يوصل هذه الفكرة، وهذا الشّعور إلى الأجيال المتعاقبة؛ لذا طلب من الجميع وعي صرخة "زبانا"، وتَحويلها إلى ممارسة يوميّة، وتلقينها للنّاشئة، كما تلقّن القرآن، وتعلّم الصّلاة. حرصًا منه على الإبقاء على جذوة الجهاد والنّضال متّقدة في النّفوس، تنتقل بين الأوصال عبر الأجيال.

إذن إنّ " زَبَانَا " لم يقتل، ولم يقضَ عليه، بل غاب عن الوجود، ورفع إلى السّماء، كما رفع عيسى عليه السّلام. وانتهى إلى المنتهى، كما رفع الرّسول - صلى الله عليه وسلم -. فزبانا يستمدّ روحه وحقيقته من أرواح الأنبيَاء. ومصيره مصير الشّهداء، الذين لم يموتوا، بل هم أحياء عند ربّهم يرزقون فرحين بما أتاهم الله من فضله. ومن جهة أخرى إنّ "زبانا" لم يفقد. فقد صعد إلى السّماء؛ ليبلّغ من هم هناك أنّ الثّورة مستمرّة، وأنّ القوم على العهد باقون، وفي الدّرب سائرون. وأنّ القهر لم يقضِ على النّضال والكفاح والجهاد. في هذا التّعبير والتّصوير جانب نفسي كبير، يخدم الثّورة، ويجهض مؤامرات العدوّ.

زَعَمٌوا … قَتْلَهُ، … وما قَتَلُوهُ … لَيْسَ في الخالِدينَ عيسَى الوَحيدَا

لفَّهُ … جبريل … تَحتَ

(1) - مجلّة المعرفة (وزارة الأوقاف)، الجزائر، ع: 16، س2، نوفمبر 1964م، ص: 89.

١١٤ / ١٢٦