محاضرات عن الثورة التحريرية الجزائرية محمد بن قاسم ناصر بوحجام

محاضرات عن الثورة التحريرية الجزائرية

الجزء ١ · صفحة ١٣

لكي يزيد الشّاعر الموقف وضوحًا؛ فيزداد المخاطَبونَ اقتناعًا بعدم جدوى وعود فرنسا، استعان بآيةٍ قرآنيّة معبّرة، وردت في قوله تعالى: ﴿والذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسِبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجدَ اللّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ واللَّهُ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ (سورة النّور/ 39).

العبارة (سراب بقيعة) وصف الله بها أعمال الكفرة، الذين ينخدعون بها في الدّنيا، حتَّى إذا قدموا يوم القيامة لَم يجدوا شيئًا، بل وجدوا عذابًا أليمًا، تَمامًا مثلما يطمئنًّ العطشانُ في مفازةٍ إلى قاعِ مستَوًى، تنعكس فيه أشعّة الشّمس، فيخيّل إليه أنّه ماءٌ، حتّى إذا فزع إليه وهرول لم يحده شيئَا، إنّما يجد بعد ذلك حرقَةً أخرى ولهفةً شديدة. وهو ما حدث للجزائريّين، حين وعدتهم فرنسا بتلبية مطالبهم، ومنحهم حريّتهم إن هم أعانوها في حربها ضدّ ألمانيا، فانخدعوا بهذا السّراب، فحملوا السّلاحَ، وكلّهم أملٌ وشَوقٌ إلى ذلك اليوم وتعلّق بذلك الوعد، فلمَّا جاؤوا بعد انتهاء الحرب لم يجدوه شيئًا، بل وفّاهم المستعمر حسابهم بالتّنكيل والتّقتيل.

لذلك يرى الشّعراء أنَّ الوسيلة الوحيدة التي تبقى بين أيدي الجزائريّين، تقنع المستعمرين بالعدول عن سياستهم، وتكشف عن حقيقة أحاسيس الشّعب وتطلّعاته هي القوّةُ، السّبيلُ الوحيدُ للانتقام. يرسل الرّبيع بوشامة صوته، ويوجّه نداءَهُ إلى الأحرار ليقوموا بما يَثْأَرُ لما حدث، فيقول لمايو، وهو يعني الأحرار:

يا (مايُ)، مَالَكَ وَاجمًا، لَمْ تَنْتَقمْ … أَوَمَا سَقَاكَ الظُّلْمُ أَسْوَأَ جَام

يَا (مايُ)، إنَّا في انتظارِ حُكُومَةٍ … فَمَتَى يُساقُ الظُّلْمُ للإِعْدامِ(1)

إنّ هذه الممارسات أوقفت الجزائريّين على حقيقة نوايا الاستعمار، كما أوجدت في النّفوس اليأسِ، وتركت على الوجوه علامات الوجوم والذّهول؛ بسبب ما يشاهدونه، ولما يتوقّعونه من ازدياد الاضطهاد والقهر.

في انتظار التّوصّل إلى وسيلة ناجعة للانتقام والأخذ بالثّأر، والحصول على الحريّة المغصوبة، وجدنا الشّعراء يلجؤون إلى المناجاة، ويعمدون

(1) - الدّكتور صالح خرفي، الشّعر الجزائري، ص: 216.

١٣ / ١٢٦