محاضرات عن الثورة التحريرية الجزائرية
الجزء ١ · صفحة ١٤إلى استعمال الرّمز والإشارة والتّلميح، والإكثار من التّظلّم من ممارسات الاستعمار التّعسّفية، والتّشكّي من أحوال النّاس المتردّية، وتصرّفاتهم المنافية لروح الإسلام وروح المسؤوليّة، وبقائهم في هذا الهمود والخمول والرّضا بالذّلّ والهوان؛ لأنّ: "التّربية الثّورية تُعْنَى أوّل ما تُعْنَى بتكوين الانفصال عن الفساد القائم، والإحساس بالأدواء الموجودة، وخلق الشّجاعة والبطولة، وأصعب ما في هذه التّربية الثّوريّة تربية النّفوس على المجاهدة لذاتها على الانتصار للحقّ. "(1)
امتلأت قلوب الشّعراء غمًّا وهمًّا لتردّي الأحوال، وكم حاولوا كتم مشاعرهم واحتمالها؛ آملين أن تنفرج الأزمة، لكنّ هذا اللّيل طال، وهمومه وهواجسه تكاثرت، وتأخّر الفجر الذي يبدّد هذا الظّلامَ، ويزيل هذه الوحشة. يقول أحمد سحنون مخاطبًا النّشءَ:
فَمَتَى تَحْمِي حِمًى، سِيمَ الأذى … فَعلَى نَشْءِ الحِمَى كُلُّ اعْتِماد
وَمَتَى تَفْدِي بِلادًا، طَالَمَا … ساسها أَعْدَاؤُها، فَالحُرُّ فَاد
كُنْ لَهَا فِي سِلْمِهَا رَمْزَ عُلاً … كُنْ لَهَا فِي حَرْبِها جُنْدَ جِهادِ(2)
تنتقل هذه المناجاة من حديث النّفس الهادئ، والهمس الخافت، إلى انفجار من الأعماق، يعلن بواسطته الشّاعر عن تذمّره، ورغبته في الحصول على وسيلة التّحرير، غير أنّ هذا الانفجار يبقى متستّرًا بالرّمز، حيث يلتجئ إلى مناجاة اللّيل، الوسيلة الوحيدة للتّنفيس عن القلوب المكلومة، والتّحسيس بخطورة الوضع، يقول محمد العيد:
يَا لَيْلُ، طُلْتَ جَنَاحًا … مَتَى تُريني الصّباحَا
أَرَى الكَرَى صَدَّ عَنِّي … بِوَجْهِهِ وَأَشَاحَا
قَدْ ضِقْتُ بِالهَمِّ … ذَرْعَا … وَمَا وَجَدْتُ انْشِرَاحَا(3)
بعد أن يكشف الشّاعر عن الهموم التي لحقته، ويقدّم شكاته إلى اللّيل، كبقائه رهين السّجن وتململه في الشّوك، فيبيتُ لذلك وسنان مُضنًى، وظمآن ينشد الماء … إلى غير ذلك من المنغّصات الشّخصيّة، يعود فيحمّل اللّيل المسؤوليّة قائلاً:
يَا ليلُ، أَسْرَفْتَ بَرْدًا … وَظُلمَةً وَرِياحَا
أَطْفِئْ حُرُوبَكَ … عَنَّا … وَلاَ تَزِدْهَا لقَاحَا
يَا لَيْلُ، مَا فِيكَ نَجْمٌ … جَلاَ الدُّجَى وَأَزَاحَا(4)
إنَّ ليلَ الشّاعر لا يتوفّر إلاَّ على كواكب ضعِيفة، لا تَقوى على بعْثِ النّور الذي يضيء الدّروب، فينعش النّفوس، كحال قومه الذين يعيشون حياةً شقيّة؛ بسبب الآثام التي يرتكبونها. فالنّزاع فاشٍ بينهم، والشّباب سادرٌ في غيّه، والسّبّ والشّتم منتشران بين النّاس، والزّنا والسّفاح سائدان بين الأنام …
يعرّض الشّاعر بهذه التّصرّفات، وينعى هذا السّلوك، الذي لا يقوى أبدًا على مواجهة المستعمر الغشوم، ويقول:
وَمِنْ قَوَانِينَ جُورٍ … سُلَّتْ عَلَيْهَا صِفَاحَا
ومِنْ شَقَاءٍ مُلِحٍّ … غَدَا … عَلَيْهِ وَرَاحَا
مِنْ أَيْنَ يُفْلِحُ شَعْبٌ … أَبَى الهُدَى والصَّلاحَا(5)
ثمّ يلمّح الشّاعر ويهمس في آذان الشّعب بضرورة تجاوز القول إلى العمل، والنّزول إلى الميدان، واستعمال القوّة؛ لأنّ أسلوب الاسترحام واستدرار العطف لم يعد نافعًا، والتّعلّق بالوعود أصبح ميؤوسًا منه. إنّ الاستعمار قد فاق (سجاحًا) في الكذب والادّعاء:
خَاضَ المَيْدانَ دعَْوى … فَأَعْقَبَتْهُ افْتِضَاحَا
لأَنَّهُ لَمْ … يُهَيَّئْ … غَيْرَ الكَلامِ سِلاَحَا
إِنْ كُنْتَ أَعْزلَ فارْقُبْ … من المُغيرِ اكْتِساحَا
لا تَنْتَظِرْ منْهُ خَيْرًا … وَلاَ تَرْجُ فَلاحَا
(1) - الدّكتورة أنيسة بركات درار، أدب النّضال في الجزائر من سنة 1945م. حتّى الاستقلال، المؤسّسة الوطنيّة للكتاب، الجزائر، 1964م، ص: 68.
(2) - أحمد سحنون، ديوانه، الشّركة الوطنية للنّشر والتّوزيع، الجزائر، 1977م، ص: 14.
(3) - ديوان محمد العيد، ص: 45. القصيدة بعنوان: " يا ليل "، نشرت في العدد 145 من جريدة البصائر الثّانية، (جمعيّة العلماء المسلمين الجزائريّين) سنة 1951م.
(4) - المصدر السّابق، ص: 46، 47.
(5) - المصدر السّابق، ص: 47.