محاضرات عن الثورة التحريرية الجزائرية محمد بن قاسم ناصر بوحجام

محاضرات عن الثورة التحريرية الجزائرية

الجزء ١ · صفحة ١٥

وَإِنْ يَعِدْكَ بِخَيْرٍ … يَكْذِبْ عَلَيْكَ صُرَاحا

إِنْ قِسْتَهُ بِـ (سَجَاحٍ) … فِي الكذْبِ فَاقَ سَجَاحَا

فَايْأَسْ وَلاَ تتَرَقَّبْ … مِنَ المُغيرِ سَمَاحَا(1)

هكذا يضربُ الشّاعر على الوتر الحسّاس، ويصيب النّفس في العمق، ويخوضها مع الشّعب حربًا نفسيّة؛ حين يكشف له عن حقيقة نوايا المستعمر، ويصل به رأسًا إلى النّتائج التي يجنيها من البقاء على النّهج الذي هو سالكه.

ثمّ يعود إلى اللّيل ثانية، ويوجّه إليه الكلام واللّوم والتّوبيخ، حتّى يموّه على الطّغاة والعتاة، ويفوّت عليهم الفرصة للوقوف على مضمون هذه المناجاة، ويضمن لها إصابة هدفها. والشّاعر قد يشعر أحيانًا بعدم جدوى التّعبير المباشر " لأنّ الوضع السّياسي لا يقبل مثل هذه الآراء، التي تزعزع من مكانته، وتنال من هيبته، فيميل إلى التّلميح والتّعريض والإيحاء، حتّى لا يعرّض مواقفه للمقاومة والصّدام، وآراءه للإجهاض والوأد "(2) هذا ما عناه الشّاعر محمد العيد وطبّقه حين قال:

يَا لَيْلُ، كَمْ فيكَ عادٍ … دَاسَ الحِمَى واسْتَبَاحَا

إِلَى مَتَى أَنْتَ دَاجٍ … تَغْشَى الرُّبَى والبِطَاحَا

نَفْسِي إِلَى الفَجْرِ تَاقَتْ … مَتَى أَرَى الفَجْرَ لاَحَا

مَتَى جَنَاحُكَ يُطْوَى … يَا لَيْلُ، طُلْتَ جَناحَا(3)

المرارة طافحة على هذه القصيدة، والغصّة بارزةٌ فيها، والعذاب الذي عاناه الشّاعر، واليأس الذي ملأَ قلبه، والتّذمّر الذي أحاط بحياته، والنّكد الذي وسم عيشه، كشفت عنه هذه الكلمات المعبّرة المصوّرة لكلّ هذا.

كما كانت هذه المشاعر لومًا موجّهًا إلى الشّعب؛ لبقائه في دائرة الخنوع والهمود، ثمَّ تعريضًا به لقبوله الذّلّ. بالجملة ما عرضه الشّاعر هو دعوة صريحة إلى الثّورة والعمل على تغيير الأوضاع.

(1) - المصدر السّابق، ص: 47، 48.

(2) - محمد ناصر بوحجام، أثر القرآن في الشّعر الجزائري الحديث، (مخطوط)، رسالة ماجستير قدّمت … في معهد اللّغة والأدب العربي، جامعة الجزائر، السّنة الجامعيّة: 1986 – 1987م، ص: 253. طبعت سنة 1992 المطبعة العربيّة، غرداية، الجزائر.

(3) - ديوان محمد العيد، ص: 48.

١٥ / ١٢٦