محاضرات عن الثورة التحريرية الجزائرية
الجزء ١ · صفحة ١٧تستمرّ الشّكوى من الأوضاع المتردّية، التي تنتظر من يأتي ليغيّرها. فيكتب عبد الرّحمن، ابن العقّون سنة 1953م، متذمّرًا من هذا التّردّي وهذا الفساد في الأوضاع، وما صاحبه من استسلام لإرادة المستعمر.
إنَّ الذي حرّك في الشّاعر هذه الأشجان هو تصاعد الثّورة في تونس شرقًا، وقيام أختها في المغرب غربًا، بينما الجزائر لم تجمع بعد أمرها، ولم تختطّ لنفسها خطّةً موحّدة؛ رغم كلّ ذلك .. فيقول تحت عنوان: " اللّيل البهيم أو أنشودة الألم ": …
طَالَ لَيْلِي الجَهْمُ واعْتَزَّ القَمَرْ … وَتَوَلاَّنِي … عَنَاءٌ … وَضَجَرْ
وَسُقِيتُ الظُّلْمَ مُرًّا وَعَلْقَمًا … وَاحْتَسَى قَوْمِي البَلاَءَ المُسْتَعِرْ
فَأُنَادِي مُنْذِرًا مُسْتَصْرِخًا … يَا لَقَوْمِي، نَحْنُ فِي عَيْشٍ قَذِرْ
اسْمَعُونِي مَا أنَا إِلاَّ صَدًى … رَدّدَتْهُ مِنْ خَبَايَاكُمْ عِبَرْ
اسْمَعُونِي أنَا وَاحِدٌ مِنْكُم … لَسْتُ إِلاَّ مُنْذِرًا شَرَّ الغِيَرْ
أَدْرِكُونِي إِنْ دَهَانِي خَطَر … إِنَّ هَذَا لَكُمْ أَقْسَى النُّذُرْ
لا تَظُنُّوا أَنَّكُمْ أَكْبَرُ شَاْنًا … لَدَى المُحْتَلِّ، فَالكُلُّ نَكرْ
إِنْ قَسَا يَوْمًا علَى أَفْضَلِكُمْ … فَعَلَى المَفْضُولِ أَدْهَى وَأَمَرْ(1)
يبدو الشّاعرُ مَصدورًا ومصابًا في الصّميم، فهذه النّداءات والأوامر المتتالية (يا لقومي، اسمعوني، أَدركوني … )، وهذه الكلمات والعبارات (استصراخًا، منذرًا، تولاّني عناء وضَجر، سقيتُ الظّلم مرًّا علقما، دهاني خطر … ) تكشف عن توتّر نفس الشّاعر وتفاقم حاله وتأزّم مشاعره. والعبارات (احتسى قومي البلاء المستعر، نحن في عيش قذر، إنّ هذا كان لكم أقسى النّذر، فعلى المفضول أدهى وأمر … ) تبرز خطورة الوضع المتردّي المتأزّم، الذي إن لم يجد من يتحرّك ليغيّره كانت الطّامة الكبرى، ففي قوله: …
لا تَظُنُّوا أَنَّكُمْ أَكبرُ شَاْنًا … لَدَى المُحْتَلّ والكُلُّ نكر
(1) - ابن العقّون عبد الرّحمن، ديوان أطوار، الشّركة الوطنيّة للنّشر والتّوزيع، الجزائر، 1980م، ص: 59. القصيدة مؤرّخة بيوم: 17 ديسمبر 1953م.