محاضرات عن الثورة التحريرية الجزائرية
الجزء ١ · صفحة ١٨إِنْ قَسَا يَوْمًا على أَفضَلِكُمْ … فَعَلَى المَفْضُولِ أَدْهَى وَأَمَرْ
إيعازٌ وتلميح إلى سحب الثّقة من المستعمر واليأسِ من تراجعه عن موقفه، وفضحٌ لسياسته، وكشفٌ عن مراوغاته، حيث إذا نكل بالنّاس الأفاضل (وهم هنا النّاس الذين وقفوا له بالمرصاد يحاربونه)، فهو على النّاس الذين هادنوه، ولم يثوروا في وجهه أشدُّ قسوةً، وسيأتي اليوم الذي يقضي فيه عليهم، بعد أن يطيح بالرّؤوس.
إذن يريد الشّاعر أن يقول للشّعب: إذا أردتم أن تفشلوا خطّة المستعمر، وتفسدوا عليه ما ينوي القيام به، فعليكم بالتّحرّك والعمل على الإطاحة به، بالثّورة عليه.
ينتقل الشّاعر ليذكِّر بممارسات الاستعمار التّعسّفية واضطهاده الكبير، قارنًا بها تصرّفات الشّعب المشينة: …
وَقَبيحٌ بِالجَبَانِ المُخْتَبِي … أنْ يَشُلَّ الشَّعْبَ مِنْ خَلْفِ السّترْ
ثُمَّ يبدُو وَقِحًا مُسْتَهْتِرًا … ساخِرًا مِنْ كُلّ مِقْدَامٍ أَبَرْ
وَدَعِيٍّ هَمُّهُ التّدجيلُ إِذْ … يَتَرَاءَى الجوّ مَأْمُونَ الخَطَرْ
فإذَا الأحْدَاثُ أَبْدَتْ خَطَرًا … يَتَبَدَّى وَهوَ كَذّابٌ أَشِرْ
يَمْلأُ الجَوَّ ضَجيجًا مُنْكَرًا … ضَاحِكًا مِنْ فَوْقِ أَشْلاءِ البَشَرْ
وَعظِيمٌ لسِنٌ مُسْتَنْكرٌ … يَنْهَبُ العَيْشَ، وَيَسْتَأْنِي القَدَرْ
هَانَ نَفْسًا، فَأَهَانُوا كِبْرِيَا … هُ، فَأَضْحَى مثْلَ الذّيل الحَقِرْ
هَذِه الأمْرَاضُ في جَوهَرها … تُورِثُ الأمّةَ … قِتالَ … الأثَرْ
وَتُريهَا الذّلَّ عزًّا قَيِّمًا … وَتُذِيقُ الشّعْبَ مَوْسُوعَ الضَّرَرْ
جَعَلَتْنَا في حِمانَا … غُرَبَا … وَأَرَتْنَا كَيْفَ تَنْهارُ الأُسَرْ
يَا لَهَؤُلاءِ قَدْ دَهانَا غاصبٌ … لَمْ تَجُدْ عَيْناهُ إلاَّ بالشَّرَرْ
وَشَقيقٌ لِعَدُوٍّ طَيِّعٌ … وَعلَى الإخوانِ أَنْفٌ مُشْمَخِرْ
وَأُسَاةٌ وَسَرَاةٌ عُلَما … كُلُّهُمْ في القَولِ فَوّاهٌ خَطِرْ(1)
نبقى مع الشّعراء، ومع وصف حالة الجزائر المتردّية، والأوضاع السّيئة فيها، التي كانت السّبب في التّخلّف. وهي التي مكّنت الاستعمار من التّمادي في ظلمه واستبداده.
إنّ الشّعراء - بهذا الوصف - يقومون بِدور التّعبئة العامّة للقيام بما يعمل على تغيير الأوضاع. فثمّة دجّالون على الشّعب، ومحتالون أصابتهم حمّى الكراسي، فتكالبوا عليها، وثمّة انقسامات في صفوف الحركة الوطنيّة؛ بسبب خلافات هامشيّة، على حساب القضيّة الأساسيّة(2). وهناك هياكل هامدة جامدة، تحرّكها السّياسة الاستعماريّة حسب هواها، وهنالك الوشايات والسّعايات التي يذهب ضحيّتها أحرار الوطن وأصفياؤه … بوحي من هذا الجوّ الحالك، وتنديدًا بهذ الممارسات المشينة .. يقول مفدي زكريّاء، بمناسبة تدشين دار ابن باديس الخاصّة بالطّلبة الجزائريّين سنة 1953م: …
وَفِتْيَة أَخْلَصُوا … للّه دِينَهُمُ … والشّعبِ، لَمْ يُثْنِهِمْ عَسْفٌ وتَهْديدُ
قَامُوا وفي الشّعبِ كذّابون، لَيْسَ لَهُمْ … غَيْرُ المَنَاصِبِ والألقاب مقصودُ(3)
وفي … الجَزائِرِ … نَصَّابونَ … هَمُّهُمُ … على الدّراهِمِ مَقْصُودٌ وَمَحْدُودُ
وللزّعامَةِ دَجّالُونَ، لَيْسَ لَهُمْ … مِنَ الزَّعَامَةِ إلاّ الخَمْرُ والغِيدُ
وللشَّعائرِ هَدَّاجونَ، قد جَثَمُوا … حَوْلَ المَقَاصِرِ أَحْلاسٌ قَنافيدُ
وفِي المَجالسِ أَصْنامٌ، تُحَرِّكُها … يَدُ المُعَمِّرِ، تَحْمِيها … التَّقاليد
رَمُوا بهَا الشَّعْبَ كالبُهْتانِ، تَحْسِبُها … شَهادَةَ الزُّورِ، تَرْويهَا المنَاكِيدُ
(1) - المصدر السّابق، ص: 60، 61.
(2) - ينظر محمد العربي الزّبيري، الثّورة الجزائريّة في عامها الأوّل، ط1، دار البعث، قسنطينة، الجزائر، … 1984م، ص: 81 وما بعدها.
(3) - وصف الأوضاع المنحرفة بالجزائر، إثر انشقاقِ الحركة المصاليّة، وانطلاق العملاء، وتخاذل النّوّاب وسماسرة الدّين، (الّلهب المقدّس).