محاضرات عن الثورة التحريرية الجزائرية
الجزء ١ · صفحة ٣٦تنظيم، ولا سيّما في تنظيم ثوري، حيث تكثر المفاجآت، لم يتطرّق اليأس يومًا إلى قلوبهم.(1)
لقد تسلّح هؤلاء بصدق الإيمان، وحبّ الوطن، وقوّة الإرادة، وإخلاص العمل، والاستهانة بالموت، والاستخفاف بالعدوّ واحتقار بأسه وبطشه، اللّذين يدّعيهما.
هذه الصّفات، وهذه المميّزات التي يتمتّع بها هؤلاء الأشخاص، تكشف لنا عن العمل الكبير الدّقيق، الذي قام به المناضلون في سبيل دفع حركة الكفاح إلى الأمام، مع اتّخاذ كلّ الاحتياطات اللاّزمة المساعدة على إنجاح العمل الثّوري والجهادي في المستقبل، وهو ما يفسّر لنا أيضًا الانطلاقَة القويّة، التي ستشهدها الثّورة فيما بعد، وتبرز صلابةَ المبادئ التي تبنّتها، وسارت بمقتضاها؛ لتقف أمام الأعاصير بقوّة، وتتخطّى الحواجز بثبات، وتقضي على كلّ المناورات والمؤامرات، وتفسد الخطط المضادّة لأعمالها بفعاليّة كبيرة، وتتجنّب الأخطاء قدر المستطاع …
بهذه الصّفات والخلال العالية، وبهذه العزيمة الصّادقة، ووسط الظّروف الحاسمة، والأحداث المتتالية، بشكلٍ غير اعتيادي، وغير مشعور به في الأوساط العامّة … تُولَدُ جبهة التّحرير الوطني، التي انصهرت فيها كلّ الأحزاب الوطنيّة، إلاّ القليل الذي تأخّر لينضمّ فيما بعد. هذه الجبهة تتبنّى تفجير الثّورة في ليلة فاتح نوفمبر 1954م، الموافق لِلخامس من ربيع الأوّل 1373هـ.
إنّ هذا التّفجير يستجيب لمطامح الجماهير الشّعبيّة في التّحرير من براثن الاستعمار، والتّخلّص من النّفوذ الشّخصي، والانتقال إلى الإدارة الجماعيّة، والقضاء على اليأس الذي أصاب النّفوس، كما يستجيب للرّغبة في تغيير الأوضاع المتردّية في الجزائر، في المجالات المختلفة: السّياسيّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة والثّقافيّة … ولهذا نقول: إنّ الثّورة الجزائرية التي اندلعت سنة 1954م، لم تكن وليدة ظروف طارئة عابرة، إنَّما كانت نتيجة لأزمات خانقة وعوامل متجذّرة في الأوساط
(1) - محمد الطّيّب العلوي، " جبهة التّحرير الوطني وبيان أوّل نوفمبر"، المرجع السّابق، ص: 172.