محاضرات عن الثورة التحريرية الجزائرية
الجزء ١ · صفحة ٣٧الشّعبيّة، تجذّر الأعمال التّعسّفيّة وتفاقمها، التي ضاق بها الشّعب الجزائري ذرعًا، كما كانت تتويجًا للعمل المتواصل الذي أبداه الشّعب مدّة الاحتلال؛ من أجل الحصول على استقلاله، أي إنّ ثورة أوّل نوفمبر امتداد متطوّر ومنظّم ومؤسّس على مبادئ وقواعد صلبة، توّجت أشكال المقاومة لمظاهر امتهان الكرامة وجرح العزّة، وهضم الحقوق، ومسخ الشّخصية … وقد جاءت هذه الثّورة بعد تطوّر طَبَعِي، ونموّ مطّرد في مسيرة الكفاح الوطني؛ لأنَّ أصحابها قرّروا القيام بِها بعد عرض تصوّرات كثيرة، ومناقشة مقترحات عدّة، تقدّم بها الوطنيّون الأحرار، وبعد استعراض نصوص متعدّدة … وكان الاعتماد في ذلك على التّجارب السّابقة في الكفاح الوطني والمقاومة الشّعبية، كما كانت المناقشات والتّحضيرات تَتمّ بروح مسؤولة، ونيّة خالصة لله ثمّ للوطن، مع رسم المبادئ، وتحديد هدف أساسي واحد وهو الاستقلال التّام، واعتماد وثيقة مرجعيّة، وهي بيان أوّل نوفمبر، الذي تمخّض عن هذه المناقشات والمشاورات، التي حصلت على مستوى ذوي الكفايات وذوي التّجارب …
كانت بداية هذه الثّورة في ليلة فاتح نوفمبر، التي كانت منارة إشعاع وهداية إلى الطّريق الأسلم في الكفاح والنّضال، التي بدّلت الظّلام نورًا، والتّعسّف اعترافًا بالحقوق؛ بما حقّقته في النّهاية من نصر على العدوّ، ولهذا كانت هذه اللّيلة عظيمة ومقدّسة في قلب كلّ جزائري، بما أتت به من فضل كبير ونصر مُبين، فكانت ليلةَ القدر، التي نزل فيها القرآن، الذي غيّر مجرى حياة النّاس إلى الأحسن والأسعد. قال عنها الشّاعر مفدي زكريّاء:
دَعَا التّاريخُ لَيْلَكَ فَاسْتَجَابَا … ُفَمْبَرُ، هَلْ وَفَّيْتَ لَنَا النّصابَا؟
وَهَلْ سَمِعَ المُجيبُ نٍدَاءَ شَعْبٍ؟ … فَكَانَتْ ليْلَةُ … القَدْرِ … الجَوَابَا
تَبَارَكَ لَيْلُكَ المَيْمُونُ نَجْمًا … وَجَلَّ جلالُه هتَكَ الحِجَابَا
زَكَتْ وَثَباتٌه عَنْ أَلْفِ شَهْرٍ … قَضَاهَا الشّعبُ يَلْتَحِقُ السَّرَابَا
تَنزَّلُ روحُهَا منْ كُلّ