محاضرات عن الثورة التحريرية الجزائرية محمد بن قاسم ناصر بوحجام

محاضرات عن الثورة التحريرية الجزائرية

الجزء ١ · صفحة ٤٦

يكون على القوّة الذّاتيّة والجماهير العريضة، التي تمتلك الحماسة التي تدفعها دائمًا إلى بذل مزيد من الجهد، وتتوفّر على العقيدة التي تمنعها من التّوقّف عن الجهاد، فضلاً عن التّقاعس عن أداء الواجب، وتزخر بآيات الإخلاص، الذي يمنحها حسن التّفكير فيما يخدم القضيّة الوطنيّة، وحسن التّدبير فيما يعود على الثّورة بالخير والنّفع …

يقول الأستاذ أحسن بومالي: " وإذا كانت جبهة التّحرير الوطني قد قرّرت عند إعلانها الثّورة المسلّحة أنّ اعتمادها الكلّي في استمراريّة الثّورة، سيكون على القوّة الذّاتية للشّعب الجزائري، فلأنّها كانت تدرك أنّ المصادر الخارجيّة سوف تكون معرّضة للتّقلّب، تتراوح بين القوّة والضّعف، وبين الاستمرار المؤقّت والانقطاع التّام، كما كانت تدرك أنّ هذه المصادر تكون في أغلب الأحيان مثقلة بقيود أو شروط، من شأنها أن تؤثّر على قراراتها الثّوريّة."(1)

هذا الملحظ مهمّ جدًّا؛ لأنّه يوقف المجاهدين على حقيقة الإمكانات، التي يعوّل عليها في الكفاح لاسترجاع السّيادة الوطنيّة، وفي الوقت نفسه يُضمَن الاستقلال التّام الحقيقي، الذي ينشده الثّوّار؛ وذلك حين يُحصَل عليه بعيدًا عن كلّ قيد أو شرط يغلّه، أو يعرّضه لمساومات وضغوط، بما يشينه ويعود على أهله بالويل والثّبور، كما تعيشه اليوم كثير من الدّول العربيّة والإسلاميّة.

- خامسًا: الإدارة الجماعيّة للثّورة التّحريريّة

حرصت جبهة التّحرير الوطني على القضاء على السّلطة الشّخصيّة، وإحلال الإدارة الجماعيّة محلّها. وكانت الجبهة قد حملت شعار " الثّورة من الشّعب وإلى الشّعب "(2) وكانت تعتمد على الاستشارات الواسعة، وعقد الاجتماعات المتكرّرة؛ للنّظر في الأحداث المستجدّة والطّوارئ، وفي المسائل الحاسمة المصيريّة، وقد حاربت بصرامة وشدّة القيادة الفرديّة ومعضلة تقديس الشّخصيّات.

(1) - استراتيجيّة الثّورة الجزائريّة في مرحلتها الأولى، ص: 46.

(2) - كانت الجبهة قد حملت هذا الشّعار ابتداء من منتصف سنة َ 1956م، الذي ظهر ملازمًا لعنوان صحيفة " المجاهد " لسان حال جبهة التّحرير الوطني وجيشها، اقتداء بصحيفة " الجزائر الحرّة " 1949، و" صوت الشّعب " 1933م. ينظر كتاب الاندماجيّون الجدد، ص: 53.

٤٤ / ١٢٦