محاضرات عن الثورة التحريرية الجزائرية
الجزء ١ · صفحة ٥٢هِيَ ثَوْرَةُ الشّعْبِ العَظيمِ، تَفَجّرَتْ … عَنْهَا … السُّهولُ … الرَّحْبُ وَالآكامُ
دَوَّى بِهَا (أَوْراسُ) في مَسْمَع الزّمَا … نِ، فَرَدَّدَتْ أَصْداءَها الأيَّامُ(1)
كانت روح الثّورة والتّحرّر منطلقة من كلّ رصاصة، يطلقها الجنديّ في الجبال والغابات، والوهاد والنّجود والصّحارى، ومع كلّ كلمة يرسلها الواعظ في المسجد، ومع كلّ قاعدة يقرّرها المعلّم في المدرسة، ومع كلّ تفعيلة يقطّعها الشّاعر في قصيدته. وفي كلّ لحن يردّده الفنّان، وفي كلّ لوحة يرسمها الرّسّام المبدع، ومع كلّ قذفة يقوم بها اللاّعب في الملاعب، التي يلتقي فيها بأشقّائه وأصدقائه، يبغي من خلالها إيصال صوت الجزائر الثّائرة له، ومع لعبة كلّ طفل، يعكس فيها ببراءتِه وفطرتِه، وبدون شعور أحاسيس آبائه ومشاعر أجداده …
هكذا كانت الثّورة عارمة، والغضب شديدًا، والاستنكار للأوضاع جماعيًا، والرّفض للعبوديّة والذّلّ تامًّا …
إنّ ثورة نوفمبر هي حصيلة العمل المضني والشّاق، الذي دام قرنًا ونيّفًا من المقاومة الشّعبيّة، والذي كان كلّه تضحيّة وفداء من أجل إعلاء كلمة الله، وعزّة الوطن، وتحقيق الرّفاهية والازدهار والتّقدّم والأمن والاستقرار والرّجوع إلى الأصالة … ؛ لهذا كانت فرحة الشّعب الجزائري غداة الاستقلال بطرد شبح الاستغلال كبيرة. فهو لا يفتأ يكشف عن هذه الفرحة في كلّ مرّة تحلّ فيها الذّكرى، بل في كلّ مناسبة. وقد عبّر عن ذلك أصدق تعبير في أثناء الاحتفال بالذّكرى الثّلاثين. فقد هبّ بكلّ فئاته لتجسيدها؛ بتجنيد كلّ الوسائل الممكنة؛ للارتفاع إلى مستوى الثّورة وعظمتها. وكانت هناك مجهودات مبذولة في أجهزة الإعلام المرئيّة والمسموعة والمقروءة لتسجيل أحداث الثّورة، وذلك عن طريق التّحقيقات، وعقد النّدوات، وإجراء المسابقات، والقيام بالدّراسات التّحليلية للوقائع والأحداث، وجمع الوثائق والمخطوطات، وتنظيم الملتقيات، التي
(1) - صالح خبّاشة، الرّوابي الحمر (ديوان شعر)، الشّركة الوطنية للنّشر والتّوزيع، الجزائر،1971م، ص: 136.