محاضرات عن الثورة التحريرية الجزائرية محمد بن قاسم ناصر بوحجام

محاضرات عن الثورة التحريرية الجزائرية

الجزء ١ · صفحة ٥٥

بيان أوّل نوفمبر 1954م أعْلن عن نيّة الجزائريّين الصّادقة، وعزمهم الأكيد على التّحرّر الكامل من الهيمنة، الاستعماريّة والتّبعيّة الأجنبيّة والوصاية الفرنسيّة عليهم.

نهض البيان ليتوّج مجهودات المجاهدين الذين قاموا ضدّ المستعمر، وقاوموا الاحتلال منذ وطَأَت أقدامه أرض الجزائر. وتضمّن فحواه ومضمونه الإصرار على افتكاك الحريّة وعدم وضع السّلاح، حتّى تسترجع الجزائر وجهها الحقيقي، وشخصيّتها المسلوبة.

تضمّنت صيغته صورة المستقبل في توجّهاته الكبرى وأهدافه الرّئيسة، التي حدّدتها في أثناء الثّورة إيديولوجيّةٌ، استمدّت مكوّناتها وروحها من مبادئ الشّريعة الإسلاميّة، وقواعد العمل الإسلامي.

كانت الثّورة التّحريريّة – دائما – متنامية في سيرورتها، ومتقدّمة في انتصارها على المصاعب والمتاعب، وعاملة على تجاوز الخلافات، حريصة على التّقريب بين الأطروحات والرّؤى قدر المستطاع.

لم تصل الثّورة إلى هذه الدّرجة إلاّ لأنّ مجاهديها قد تسلّحوا بصدق الإيمان وحبّ الوطن، وقوّة الإرادة، والإخلاص في العمل، والاستهانة بالموت والاستخفاف بالعدوّ، والسّخرية مِمَّا يدّعيه من بأس وبطش.

هذا الجهد الصّادق الكبير الذي قدّمه المجاهدون في كفاحهم في أثناء الثّورة، ورؤيتهم العميقة المخلصة للأمور والأحداث، وتفاعلهم النّزيه معها … كلّ ذلك كان المفروض أن يكون الرّافد، أو المَعينَ المُعين على خوض معركة بناء الجزائر بصدق وإخلاص، والتّقدّم في العمل الوطني برؤية واعية لمعطيات الواقع، وبتصرّف واعٍ واضح مع تطوّرات الأحداث … وذلك بالتّفريق بين ما هو وسيلة وما هو غاية، وما ينفع الجزائر وما يضرّ بها، مع العمل بدأب على التّواصل الحيّ المنتج بين الأجيال، والحرص على الانسجام بين مطلب الاستمراريّة ومطلب التّجديد والتّحديث، من دون الانحراف عن الأصول.

ثمّ إنّ الرّصيد الجهادي والكفاح المضني الذي قدّمه هؤلاء الوطنيّون الأحرار؛ يوجب على الأحياء منهم أن يثبتوا عليه، ويبشّروا به، وبالمثل العليا لثورة نوفمبر 1954م؛ دفاعًا عن ثوابت هذه الثّورة، التي هي ثوابت الشّعب الجزائري، وعملا على انتصار هذه الرّكائز وهذه

٥٣ / ١٢٦