محاضرات عن الثورة التحريرية الجزائرية محمد بن قاسم ناصر بوحجام

محاضرات عن الثورة التحريرية الجزائرية

الجزء ١ · صفحة ٥٦

المبادئ في الواقع المعيش، واستمرار الصّدور عنها في الحياة العامّة، وحرصًا على القدوة الحسنة في مواقع العمل. وفي حالات التّحرّك والنّشاط. لأنّ َالشّعب الجزائري حين يحتفل كلّ عام بذكرى أوّل نوفمبر " فإنّما يعبّر عن التّرابط القويّ بين مراحل تاريخه؛ بتمجيده لماضيه، واعتزازه بمقوّماته، وبتقديره لحاضره، وثقته بالمهام التي يتواصل العمل لإنجازها، وبوعيه الكامل بضرورة التّطلّع إلى المستقبل، وبما يضمن رفاهية المواطن وسيادة الوطن "(1) وحين يشيد الشّعب بذكرى أوّل نوفمبر فهو يطمح إلى تحقيق أمل الثّوّار الذي عبّر عنه الشّهيد ديدوش مراد: " إذا متنا فحافظوا على مبادئنا وقيمنا ".

هذه المعاني كان يقرؤُها أبناء الاستقلال في مسيرة هذا الجهاد، وفي مبادئ أوّل نوفمبر 1954م، وفي بطولات الثّوّار، وفي تصريحات السّاسة والزّعماء والرّموز، وفي مواثيق الثّورة، وفي بياناتها المختلفة. وكانوا قد فهموا مِمّا يصدر في الملتقيات المختلفة، والاجتماعات المتكرّرة، واللّقاءات المتعدّدة، وما تمليه المحاضرات الكثيرة، والخطب العديدة …

كانوا قد فهموا أنّ الثّورة التي فجّرت في نوفمبر 1954م قامت لتسترجع الكرامة المهدورة والهويّة المشوّهة، وتستعيد الحياة الهنيئة والسّعادة والرّخاء … وأنّها نهضت لتجعل حدًّا للفوضى العارمة، التي طبعت الحياة العامّة في الجزائر: تفشّي المنكرات، وانتشار النّعرات الطّائفيّة، وتباين التّيارات والتّوجّهات، واختلاف التّصوّر والتّقدير للهويّة الجزائريّة. وقامت الثّورة لتضع حدًّا للتردّي في الحياة النّفسيّة والاجتماعيّة للشّعب الجزائري، من فقر وبؤس وأميّة وتخلّ عن الدّين …

إلاّ أنّ الأيّام تمرّ، ولا يرى جيل الاستقلال كبير تغيير في الأوضاع، وإن كانت الأسباب المؤدّية إلى تدهورها مختلفة، لكن ّ النّتيجة تكاد تكون واحدة أو النّتائج متقاربة. وممّا يحزّ في النّفس أنّ بعض الممارسات غير المقبولة صدرت وتصدر من حاملي شعارات الثّورة. وفي هذا المعنى وعن الأوضاع المتردّية في الجزائر غداة الاستقلال، قال مفدي زكريّاء:

أنَا حَطَّمتُ مِزْهَرِي، لا تَسَلْني … وَسَلَوتُ … ابْتِسَامَتِي، … لا تَلُمْنِي

غَاضَ نَبْعُ النّشيدِ، وانْقَطَعَ الوَحْـ … ـيُ، وَضَاعَ الغِنَا وَأَغْفَى المُغَنِّي

وَنَبَتْ … بِي مِنَ … الفُنونِ … ظُنُونِي … يَوْمَ أَنْ خَاب فِي بَنِي العَمِّ ظنِّي

كُنْتُ (للوَحْدَة) النِّداءَ المُدَوِّيِ … كَيْفَ للخُلْفِ أُرْهِفُ اليَومَ أُذْنِي

مُذْ تَرَاءَى الشِّقَاقُ حَطّمْتُ كَاسَا … تِي عَلَى مَبْسَمِي، وَأَحْرَقْتُ دَنِّي

مُذْ رَأَيْتُ السَّفينَ يَجْرِفُهَا اليَمْـ … ـمُ لِسُوءِ الَمصِيرِ، أَغْرَقْتُ سُفْني

مُذْ رَأَيْتُ الغُصُونَ يَنْعَى بِهَا البُو … مُ، تَجَافَيْتُهَا وَوَدَّعْتُ … غُصْنِي

وتَقَزّزْتُ … مِنْ … زُهُورِ … رُبَاهَا … قَرَفًا، … بَعْدَ … أَنْ … أُصِيبَتْ … بِنَتْن

أَدِمَاءٌ … بِالأَمْسِ … غَسَلْنَ … عَارًا … تُسْفَكُ اليَوْمَ طَوْعَ خِزْيٍ وَلَعْنِ؟

وَطَنِي، … أَنْتَ … جَنَّةٌ، … أَفَتَرْضَى … أَنْ يَسُودَ النِّفَاقُ جَنَّاتِ عَدْنِ؟

فَاعْصِفِ اليَومَ بالأُلَى، في المَبادِي … قَلَبُوا كَالزّمَانِ ظَهْرَ المِجَنِّ(2)

إذن إنّ العظمة التي سجّلت للثّورة، والمكانة الخاصّة التي احتّلتها في النّفوس الكبيرة، وما قرأه الشّباب عن ذلك كلّه، وما سمعوه

(1) - نذير بولقرون، " حيويّة ثورة وتجدّد مسيرة "، المجاهد الأسبوعي (اللّسان المركزي لحزب جبهة التّحرير الوطني)، الجزائر، عدد: 1474، يوم: 04/ 11/ 1988م، ص: 9.

(2) -مفدي زكرياء، " عيد وحدتي "، نشرت القصيدة في مجلّة (المعرفة) السّورية، عدد: 23 من تشرين الثّاني (نوفمبر)، سنة 1964م، ص: 9. ينظر الدّكتور صالح خرفي، الشّعر الجزائري، الشّركة الوطنيّة للنّشر والتّوزيع، الجزائر، (د. ت)، الملحق الشّعري، ص: 119، 120.

٥٤ / ١٢٦