محاضرات عن الثورة التحريرية الجزائرية محمد بن قاسم ناصر بوحجام

محاضرات عن الثورة التحريرية الجزائرية

الجزء ١ · صفحة ٥٧

من أفواه المجاهدين وصانعي أحداثها … إنّ كلّ ذلك لم يسعف جيل الاستقلال أن يجد له في بعض الأحيان، وفي بعض المواقف انسجامًا وعلاقة كبيرة بينه وبين ما يشاهده في واقع اليوم، في السّلوك والشّعارات والبيانات … وهو ما حمل الشّباب على تقديم أسئلة متتالية: تقويميّة عن الثّورة التّحريريّة، وعن مصداقيّة عمل الثّوّار.

أحيانًا يعرضون أسئلة مشكّكة في حقيقة الثّورة، وأخرى يعزفون بها عن التّعرّف على تاريخ هذه الثّورة. قد يصل الأمر ببعضهم إلى التّنكّر لهذا التّاريخ، والقيام بالدّعاية ضدّه. فما هي أسباب ذلك؟

في نظري هناك أسباب كثيرة، أذكر منها ما يأتي:

1 – التّناقض الكبير الذي قرأه الشّباب في رواية الأحداث، والتّذبذب الواضح في حكاية بعض الواقعات، والتّراجع السّافر عن بعض التّصريحات … سواء في وسائل الإعلام المختلفة، أم في الملتقيات والمنتديات، أم في المؤلّفات والنّشرات … بل وصل الأمر إلى تكذيب بعض المجاهدين بعضهم بعضًا في سرد الأحداث أمام الملأ. كما حدث في حصّة " الملفّات الكبرى "، في أثناء سرد وقائع " اتّفاقيّات إبفيان " التي أعدّها " جلّول حايا "، قبل عامين. وقد بدا فيها التّناقص صريحًا، والصّراع حادًّا، وصل إلى حدّ السّبّ والشّتم. وهو ما حرم الجمهور الذي كان يتطلّع إلى معرفة الحقيقة من شهود المائدة المستديرة، التي كان قد وعد بها صاحب الحصّة، وقد كان يعتزم جمع الأطراف الفاعلة والصّانعة لهذا الحدث المهمّ، بكلّ تناقضاته وإفضاءاته المتباينة. لكنّ الوعد لم يُوَفَّ به، والحصّة لم تُبثَّ، وبقيت أسئلة كثيرة محيّرة في نفوس الشّباب، لم تَجد الإجابات الشّافية الكافية.

أمثال هذه المواقف فتحت المجال واسعًا أمام الشّباب كي يبدي استغرابه من هذا التّصرّف، وليعلن عن عدم اعترافه بكثير من أحداث الثّورة، وليصف صانعيها بأوصاف، أقلّها وأدناها عدم الاستئناس لعمل بعض الأشخاص.

كان المفروض أن لا يُدعى إلى المَواطِن التي تنقل التّاريخ، ويعرّف به الأجيالَ الصّاعدة، ولا ينتقل إلى هذه الأماكن، ولا يتّصل بهذه الوسائل إلاّ من كان أمينًا في النّقل، نزيهًا في الرّواية، قادرًا

٥٥ / ١٢٦