محاضرات عن الثورة التحريرية الجزائرية
الجزء ١ · صفحة ٥٩عقليًّا ونفسيًّا على استعادة الذّكريّات، من دون تشويه أو تزييف أو نقص أو زيادة؛ لأنّ التّاريخ أمانة في أعناق صانعيه، يجب إطلاع النّشء عليه نقيًّا صافيًا من شوائب النّزعات، وبعيدًا عن نزق الأغراض الخاصّة.
2 – الذّاتيّة المفرطة السّافرة – أحيانا - في تسجيل أحداث الثّورة، والمغالاة في نسبة الواقعات إلى ذات المتناوِلِ التّالي لها؛ ممّا يُتخيّل معه وكأنّ الثّورة لم تقم إلاّ على أكتاف بعض النّاس، وربّما على عاتق الذي يقصّ هذه الأحداث فقط. وهو ما يجعل الشّباب القارئ لهذا التّاريخ، أو المستمع له يحتقر هذا الشّخص وهذه الثّورة، ومن ثمّ يعزف عن الاستماع لهذا السّارد لأحداث الثّورة، ويعدل عن الاعتراف بهذا التّاريخ.
3 – سبب قريب من السّبب السّابق، هو تقديس هذه الثّورة وتعظيمها إلى درجة رفعها فوق كلّ انتفاضة، قام بها المجاهدون في الجزائر، منذ بداية الاحتلال، بل السّموّ بها على أيّة محاولة جهاديَّة قام بها إنسان في العالم، ليسترجع حقًّا ضاع منه، وحريّة سلبت منه، حتّى غدت أحداثها ووقائعها وواقعاتها أساطير خارقة للعادة.
هذا السّلوك وهذا التّصرّف أدّى – عند بعض النّاس– إلى إنكار تاريخ ما قبل الثّورة التّحريريّة، أو التّقليل من أهمّيته. هذا ما نسمعه حين الحديث عن تاريخ الجزائر، وعمّا يجب أن بكون عليه الشّباب في حياتهم الآنية الحاضرة. يقال لهم: يجب أن تستمدّوا مسيرتكم من قيم أوّل نوفمبر ومبادئه، ونَفَثُوا في روعهم - قصدوا هذا أو لم يقصدوا – إنّ تاريخ الجزائر يبدأ من أوّل نوفمبر 1954م، وهو ما نتج عنه تفكيك حلقات التّاريخ، وإضعاف قوّته، كما نتج عنه ضرب الرّموز الوطنيّة، وقادة التّحرير الوطني، وزعماء الحركة الجهاديّة. هذه المواقف حملت بعض الشّباب على عدم الاطمئنان والاستئناس إلى ما يرويه بعض المجاهدين عن وقائع الثّورة.
4 – ظهور بعض التّناقض – عند بعض رموز الثّورة – بين الشّعارات والبيانات والنّداءات التي اطّلع عليها الشّباب، ممّا يروى عن الثّورة وبين ما مارسه وقام به هؤلاء الزّعماء بعد الاستقلال. فقد كانت لبعضهم مواقف