محاضرات عن الثورة التحريرية الجزائرية محمد بن قاسم ناصر بوحجام

محاضرات عن الثورة التحريرية الجزائرية

الجزء ١ · صفحة ٦٠

سلبيّة وجائرة – أحيانًا – جنت على ما كان يقرؤه ويسمعه الشّباب عن الثّورة. فقد سحّلوا وادّعوا الوطنيّة وحبّ الوطن في أثناء الثّورة، وأظهروا تصرّفات مسيّئة لهذه الشّعارات بعد الاستقلال؛ ممّا يشكّك في مصداقيّة تلك الأقوال والبيانات. وقد ذهب بعضهم بعيدًا بسلوكه، حين مسّ الجزائر في مقوّماتها ووحدتها وانسجامها، من خلال بعض التّصريحات داخل الجزائر وخارجها، وتبنّي مواقف معادية للتّوجّه العام للشّعب الجزائري.

كانت نتائج ذلك وخيمة وخطيرة على البلاد، بخاصّة ما يتعلّق بالثّوابت الوطنيّة، وما يمسّ بِبِنْية المجتمع. هذا ما أصابه في العمق: دينيًّا وثقافيًّا واجتماعيًّا واقتصاديًّا. وكان من آثاره ما تشهده الجزائر اليوم من أوضاع سيّئة، يُرثَي لها، ويَبْكي عليها كلّ غيور على مصير أيّة أمّة مهما تكن.

يتساءل الشّباب أمام هذا السّقوط: أين تلك الشّعارات ومضامينها، التي قيل له عنها: إنّها كانت تحكم الثّورة؟ وأين إيمان أولئك – الذين قيل عنهم: إنّهم رموز الثّورة؟ أين مجال تطبيق تلكم الشّعارات اليوم في حياتنا الرّاهنة؟ أم ذلك لم يكن حقيقة؟ بل كان كذبًا عليهم وتزييفًا وتمويهًا؟ يكاد هؤلاء الشّباب أن يردّدوا ما يأتي: " وقد تعلّمت الجماهير الشّعبيّة من انتمائها التّاريخي وتلاحمها الثّوري بجبهة التّحرير الوطني بأنّ الذي خان الوطن والثّورة أيّام المحنة، لن يكون وفيًّا له، حريصًا على مصلحته في أيّام الأعراس."(1) إنّ هذه الخواطر التي تخامر الشّباب تصرفه عن الاهتمام بتاريخ الثّورة، وربّما العزوف عنه كليّة.

5 – التّذبذب في تقدير عمل بعض الأشخاص، وإلصاق صفة من الصّفات به، هذه الصّفات التي تتأرجح بين النّضال والوطنيّة، والخيانة والتّقاعس … تُثبَتُ صفة النّضال لبعض الأشخاص، ويشاد بهم وبأعمالهم، وتقام لهم المهرجانات، وتسمّى بهم المؤسّسات والأنهج والسّاحات … وبمرور الزّمن تنزع منهم هذه الصّفة، وترفع أسماؤهم من تلك المؤسّسات والأماكن. والعكس بحدث أيضًا، يوصف شخصٌ بالخيانة ومعاكسة الثّورة، ويرسخ هذا

(1) - جمال بن حمّودة، " نوفمبر الرّمز والوفاء "، مجلّة المجاهد الأسبوعي، عدد: 1474، ص: 18.

٥٧ / ١٢٦