محاضرات عن الثورة التحريرية الجزائرية محمد بن قاسم ناصر بوحجام

محاضرات عن الثورة التحريرية الجزائرية

الجزء ١ · صفحة ٦١

في ذاكرة الشّباب، وينقلونه هم بدورهم إلى غيرهم، كما يقرّر المعلّم ذلك في المدرسة، وتسلب من الشّخص صفة الوطنيّة، ويمنع - بناء على ذلك - من كثير من الحقوق، وتصبّ عليه اللّعنات … ثمّ تتغيّر الظّروف، وقد ينسحب من الميدان، أو يغيب عن السّاحة من كان السّبب في هذه الجناية على ذلك الشّخص، فينقض الغزل، وتكشف المؤامرة … فيغدو الخائن مناضلا، والمجرم مواطنًا صالحًا ووطنيًّا مخلصًا، فيرتفع اسمه عاليًا في كلّ مكان، وفي كلّ مناسبة. وتعدّل المناهج الدّراسيّة، وتطعّم البرامج الإذاعيّة، وتغيّر المواد الإعلامية … لتعيد الاعتبار لهذا المجنيّ عليه. ليقف الشّاب بعد ذلك حائرًا أمام هذه المواقف المتذبذبة، فلا يهتدي إلى الحقيقة، فلا يدري ماذا يصدّق، وماذا يكذّب؟ ويلازمه سؤال مقلق: أَيستقرّ الأمر على هذا أم سيتغيّر الموقف ثانية؟ ويخضع للظّروف والتّقلّبات؟ وهو يعرف ويعتقد جازمًا أنّ الواقعة التّاريخيّة لا تتغيّر. فإذا كان ما يروى له عن الثّورة حدث فعلاً، فلماذا هذه التّقلّبات والتّذبذبات؟ يكاد يقول: إنّ هذه الثّورة لا أساس لها، وهو ما يحمله على العزوف عن معرفة هذه الحلقة من التّاريخ الوطني.

6 – من أسباب ذلك التّجنّي على بعض الأشخاص، بالاستنقاص من عملهم وجهادهم، أو التّنكّر لنضالهم أصلاً، أو وصفهم بالخيانة … وهم بُرَآء من كلّ ما ينسب إليهم. تشهد على هذا أعمالهم التي رواها المنصفون، وتناقلتها الكتب والدّوريات، وتحدّثت عنها الوثائق، وأقرّ بها العدوّ … لكنّ المالكين لزمام الأمور في البلاد على المستوى القيادي في تسجيل التّاريخ: وطنيًّا أو جهويًّا أو إقليميًّا أو بلديًّا … لا يرغبون في الاعتراف بذلك. هؤلاء الذين يعتقدون أنّه يجب أن ينتقل تاريخ الثّورة إلى الأجيال عبر قنواتهم، بل بأماليهم.

لهذا تدرس الملفّات التي تشهد للشّخص بالنّضال أو عليه، اعتمادًا على بعض الحسابات، وبناء على ذلك قد يتمّ تهميش ذلك الشّخص عن الحياة، وإبعاده عن الأضواء، وعن كلّ مجال يُمكنه فيه من الدّفاع عن أعماله ونضاله، وعن كلّ ميدان يعينه على إثبات وطنيّته …

حين يقف الشّباب على ذلك، ويقارن بين هذه الحقائق وتصرّفات هؤلاء الأوصياء على التّاريخ، وحين يُعمل عقلَه في كلّ ذلك، يصل إلى بعض

٥٨ / ١٢٦