محاضرات عن الثورة التحريرية الجزائرية محمد بن قاسم ناصر بوحجام

محاضرات عن الثورة التحريرية الجزائرية

الجزء ١ · صفحة ٦٤

الخاصّة … في خضمّ ذلك برزت ممارسات، وظهرت مصالح، تتعارض – أحيانا – مع مصلحة الوطن، ومع روح الثّورة التّحريريّة وأهدافها. من هذه الممارسات ما صدر مِمّن كان يعدّ من رموز الثّورة، ويقال عنه: هو من صانعيها، إنّ هذا السّلوك يبعث الشّكّ في الشّاب عن حقيقة الثّورة، أو عن مشاركة هؤلاء أو أولئك فيها.

في عمق هذا الصّراع غير المؤسّس على قواعد منطقيّة، أو غير المبرّر، برزت في السّاحة، وفي التّعامل اليومي مصطلحات جديدة ورؤى غريبة، وتقويم جديد لمسيرة الثّورة، وتقدير أعمال رجالها: إيجابًا وسلبًا.

كشف كلّ ذلك عن حقيقة بعض النّاس في أفكارهم، وفي بعض ما يحملونه من القيم والمقوّمات. نتساءل في هذا الخضمّ: هل معنى ذلك أنّ اللاّشعور انفلت من الرّقيب " الأنا "؛ ليبرز حقيقة ما جرى، حسبما يتصوّر أو يتخيّل الشّباب؟ هذا ما يدعوه أو يدفعه إلى عدم الاطمئنان إلى ما يروى عن الثّورة، أو التّحفّظ في كثير ممّا يقال وينقل عنها.

11 – إبعاد كثير من الرّجال عن الذّاكرة الجماعيّة للأمّة الجزائريّة، وإقصاء بعض الرّموز؛ لسبب أو لآخر. هذا الإقصاء والتّهميش والإبعاد الذي حدث في أثناء الثّورة، وتكثّف بعد الاستقلال، وازداد على مرّ الأيّام وتطوّر الظّروف - هو في حقيقته بداية للتّطرّف والغلوّ الّلذين تشهدهما الجزائر اليوم – جعل الشّباب يعرض أسئلة كثيرة عن حقيقة هذه الثّورة وطبيعتها. منها لماذا حدث هذا وما يزال؟ وحين لا يجد أجوبة مقنعة، وتبريرات منطقيّة – حسب رأيه – يعزف عن معرفة تاريخ هذه الثّورة.

12 – انعزال بعض المسؤولين والرّموز عن السّاحة السّياسيّة بعد الاستقلال، والامتناع عن المشاركة في أعمال البناء الوطني والتّشييد. ونفيُ بعضِهم أنفسَهم، أو نفيُ غيرِهم لهم … حمل الشّباب ليتساءل عن أسباب ذلك، وعن علاقته بأحداث الثّورة ومخلّفاتها؟ هل هو من إفرازات الثّورة، بما كانت تتضمّنه من تناقضات وتجاوزات؟ سؤال يعرضه من يريد أن يعرف تاريخ ثورته، ويقف على حقيقة تطوّرات أحداثها، وفي

٦١ / ١٢٦