محاضرات عن الثورة التحريرية الجزائرية محمد بن قاسم ناصر بوحجام

محاضرات عن الثورة التحريرية الجزائرية

الجزء ١ · صفحة ٦٦

غيّر مجرى التّاريخ، ودَعَم كيان أمّة، وثبّت أركان صرح شعبٍ، كاد أن يتهاوى.

نحن لا نقبل منه هذا التّشكيك في حقيقة تاريخيّة ثابتة، وهي قيام ثورة تحريريّة كبيرة وعظيمة، بالرّغم ممّا حدث في أثنائها من أخطاء وتجاوزات. هذه طبيعة الحدث العظيم، لا يمكنه أن يسلم من الغلطات، والعظيم – أصلا – يصعب على كلّ النّاس فهم مسيرته وطبيعة تحرّكه، ووعي كلّ الخفايا والخوافي والقوادم في عمله.

نحن لا نسمح للشّباب، ولا لأيّ أحد أن يضرب الرّموز الوطنيّة، ولا أن يتحدّث عن هذه الثّورة حديثًا عاديًا، ولا أن يحلّل أحداثها تحليلاً بسيطًا ساذَجًا، ولا أن يروي وقائعها وواقعاتها رواية بعيدة عن الحسّ الوطني، والشّعور بالانتماء إلى هويّة معيّنة ومحدّدة، ولا أن يقصّ ملابساتها وظروفها معزولة عن معرفة نوايا من لا يريد لهذا التّاريخ أن يظهر، بل يسعى إلى تشويهه وتزييفه.

لا نريد لشبابنا أن يتعامل مع هذا التّاريخ بهذه العقليّة وبهذه الكيفيّة، وبهذا المنوال الذي لا يفترق كثيرًا عن طريقة تعامل المغرضين مع تاريخ الجزائر العام؛ لأنّ عاقبة ذلك وخيمة على مستقبل أمّتنا، يرتفع خطرها على الأخطار التي كانت محدقة بنا، في أثناء الاحتلال الفرنسي لبلادنا.

إنّ قصدنا من هذه المحاولة في سرد هذه الأسباب في عزوف شبابنا عن تاريخ الثّورة التّحريريّة، هو توجيه نقد ذاتي وتقويم موضوعي لطريقة نقل هذا التّاريخ إلى الأجيال، التي لم تشترك في صنعه، ثمَّ معرفة حصيلة ما أُبْنا به في محاولاتنا المتكرّرة المتعدّدة، والمتسربلة بألوان مختلفة - منذ الاستقلال إلى اليوم – لتسجيل هذا التّاريخ، وإدخاله في ذاكرة الشّباب، والوقوف على علّة شكوانا من عدم تمكّننا من النّجاحِ النّجاحَ الذي كنّا نأمل في هذا السّبيل، بخاصّة وأنّنا نُوَاجَهُ - من حين إلى حين – بأسئلة محرجة ومقلقة من شبابنا. نقرأ فيها هذا الشّكّ والتّردّد في قبول بعض الرّوايات والأخبار، ونحسّ من خلالها بخيبة أملنا في مسعانا – أحيانا – لتقديم الحقائق، ونشعر وكأنّ الهوّة تزداد اتّساعًا بين

٦٣ / ١٢٦